التخطي إلى المحتوى

الحفل الذي أعاد أصالة إلى دمشق بعد 15 عاماً… وأشعل جدلاً موسيقياً

أحيت الفنانة السورية أصالة نصري حفلاً غنائياً كبيراً في العاصمة السورية دمشق، في أول ظهور لها على مسارح المدينة منذ نحو 15 عاماً، وسط تفاعل جماهيري واسع [ref:12].

غير أن فرحة الحفل لم تكتمل، إذ تحوّل الحديث سريعاً من الأجواء الاحتفالية إلى موجة من الجدل الفني، بعد أن رصد المتابعون والنقاد تشابهاً لحنياً لافتاً بين إحدى أغاني الحفل بعنوان «على روض الحبيب» وبين واحدة من أشهر روائع سيد درويش «زوروني كل سنة مرة».

وسرعان ما تحوّل الأمر من ملاحظات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي إلى قضية فنية مفتوحة، خاصة مع حساسية التعامل مع تراث «فنان الشعب» الذي يُعدّ علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة.

جمعية المؤلفين والملحنين تدخل على خط الأزمة

لم تترك جمعية المؤلفين والملحنين الجدل يتصاعد دون توضيح، إذ أصدرت بياناً رسمياً حاسماً بعد إخضاع اللحن لفحص فني متخصص، أكدت فيه وجود تطابق كبير في البناء الموسيقي بين أغنية أصالة والإرث الموسيقي لسيد درويش، وهو ما وضع العمل في دائرة الاتهام بـ«الاستنساخ الموسيقي» أو «الاقتباس غير المباشر» دون إشارة واضحة إلى الحقوق الأدبية والفنية لأصحاب التراث [ref:11].

ويُعدّ هذا التدخل خطوة جوهرية، لأن جمعية المؤلفين والملحنين جهة معنية بحماية حقوق الملكية الفكرية، وقد دأبت تاريخياً على تكريم رموز الموسيقى العربية والدفاع عن إنتاجهم [ref:2].

ولم يتوقف الأمر عند حدّ الجمعية، إذ أفادت تقارير بأن أسرة سيد درويش تدرس بدورها اتخاذ إجراءات قانونية بحق الفنانة السورية على خلفية الأغنية ذاتها [ref:11].

لماذا يُعدّ تراث سيد درويش خطاً أحمر؟

يكتسب هذا الجدل أبعاده من مكانة سيد درويش الخاصة في الوجدان العربي.

فالفنان الذي رحل في الثلاثينيات لم تتجاوز مسيرته الفنية ست سنوات، لكنه أحدث ثورة حقيقية في الموسيقى الشرقية، وما زالت أعماله تُردَّد حتى اليوم بوصفها علامة على ارتباط الغناء بالهمّ الوطني والاجتماعي [ref:5].

ويُصنّفه كثير من المؤرخين والباحثين ضمن «الكبار السبعة» الذين أسّسوا ملامح الموسيقى العربية في القرن العشرين، إلى جانب محمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم ورياض السنباطي وأسمهان [ref:7].

ولهذا السبب بالذات، يعتبر الموسيقيون المعاصرون أن الاقتباس من أعماله دون إشارة واضحة إلى صاحب الحق هو تجاوز لا يُغتفر.

الاستنساخ الموسيقي: أزمة قانونية وفنية أوسع من أغنية واحدة

لا تقتصر واقعة «على روض الحبيب» على كونها خبراً عابراً، بل تُظهر إشكالية أوسع في ظل الرقابة الصارمة التي تفرضها جمعيات حماية حقوق الملكية الفكرية على الأعمال الفنية الحديثة.

فالقانون يحمي المادة اللحنية والكلمات والتوزيع، لكن التحقق من «التشابه اللحني» يبقى مسألة معقّدة تحتاج إلى خبير موسيقي يقيس الجُمل والنغمات والسلالم والإيقاع، وهو بالضبط ما فعلته الجمعية في هذه القضية.

من جهتهم، يرى البعض أن التشابه في الموسيقى الشرقية قد يكون في كثير من الأحيان نتيجة تشابه المقامات والسلالم المستخدمة في هذه المدرسة الغنائية، لا نية مباشرة للسرقة، وهو ما يفتح باباً للنقاش حول الحدود الفاصلة بين الاقتباس الجائز والاستنساخ المرفوض.

كيف تعامل الجمهور مع الأزمة؟

انقسمت ردود الفعل الجماهيرية بين من اعتبر الأمر تقصيراً في حق تراث سيد درويش يجب محاسبته، ومن رأى أن الحكم على العمل ينبغي أن ينتظر نتائج التحقيقات الفنية والقانونية وليس التسرّع في إصدار الأحكام عبر منصات التواصل.

وقد لعب «جمهور التراث» دوراً محورياً في إثارة القضية، إذ كان أسرع من الجهات الرسمية في رصد التماثل اللحني، وهو ما يعكس تنامي وعي المستمع العربي بالتراث الموسيقي وبحقوق أصحابه.

الخلاصة

يبقى السؤال المطروح: هل وقعت أصالة في فخ الاقتباس غير المباشر، أم أن ما حدث مجرد تشابه لحني ناتج عن وحدة المدرسة الموسيقية؟ الجواب النهائي سيعود إلى جهات فنية وقانونية مسؤولة.

لكن المؤكد أن هذه القضية أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول كيفية التعامل مع التراث الموسيقي العربي: هل يحتّم علينا الاحترام، أم يمنحنا مساحة للإبداع المشروط بحفظ الحقوق؟.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *