تحولات جذرية تعصف بالمشهد السياسي الإسرائيلي
تشهد دولة الاحتلال الإسرائيلي مرحلة مفصلية من تاريخها السياسي، إذ تتقاطع فيها أزمات داخلية خانقة مع استحقاقات سياسية كبرى تنذر بقلب الطاولة على التوازنات القائمة منذ أكثر من عقد.
فمع اقتراب خروج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من دائرة السلطة بعد سنوات طويلة من الهيمنة على المشهد، انفتحت أبواب التكهنات على مصراعيها حول هوية الحكومة القادمة وملامح سياستها المرتقبة، لا سيما تجاه القضية الفلسطينية التي ظلت محوراً للصراع الإقليمي والدولي.
تأتي هذه التطورات في ظل ضغوط شعبية متصاعدة، واحتجاجات واسعة تطالب بالتغيير وإقصاء القيادات الحالية، إلى جانب أزمات ائتلافية متلاحقة عصفت باستقرار الحكومة السابقة وأفقدتها قدرتها على المناورة السياسية.
تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة
في خطوة وصفها محللون سياسيون بأنها «زلزال سياسي» يمهد لطي صفحة نتنياهو الطويلة، أصدر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قراراً رسمياً يقضي بتكليف غادي آيزنكوت، زعيم حزب «ياشار» ورئيس الأركان الأسبق للجيش الإسرائيلي، بمهمة تشكيل الحكومة المقبلة.
ويُعد هذا التكليف نتيجة طبيعية لتراجع ثقل نتنياهو وحلفائه داخل الكنيست، وفشلهم في تأمين أغلبية مستقرة تمكنهم من الاستمرار في الحكم.
ويحمل آيزنكوت في رصيده خلفية عسكرية وأمنية طويلة، إذ شغل منصب رئيس الأركان بين عامي 2015 و2019، وقاد خلالها عدة عمليات عسكرية كبرى.
كما دخل المعترك السياسي لاحقاً وتبوأ مناصب وزارية في حكومات سابقة، قبل أن يقرر تأسيس حزب «ياشار» الذي يقدم نفسه كبديل وسطـي يجمع بين الحس الأمني والرؤية السياسية البراغماتية.
وتشير التقارير إلى أن مفاوضات تشكيل الائتلاف ستكون معقدة، نظراً لتشظي الخريطة الحزبية الإسرائيلية وتعدد الأطراف المشاركة في العملية السياسية، ما قد يفرض على رئيس الحكومة المكلف تقديم تنازلات برنامجية واسعة لضمان تأمين الأغلبية البرلمانية.
تساؤلات مصيرية حول سياسة إسرائيل تجاه فلسطين
ومع تولي آيزنكوت مقاليد الأمور واقتراب رحيل نتنياهو نهائياً عن المشهد، تتوجه الأنظار الإقليمية والدولية نحو طبيعة السياسات التي سينتهجها رئيس الحكومة المكلف.
ويتساءل الشارع السياسي عما إذا كان آيزنكوت سيعمل على إحداث تغيير حقيقي في مسار التعامل مع الملف الفلسطيني، أم أنه سيسير على النهج العسكري والسياسي المتشدد الذي طبعت سنوات حكم نتنياهو السابقة، خاصة في ظل التعقيدات الميدانية الراهنة.
وتبرز عدة سيناريوهات محتملة أمام الحكومة القادمة:
- سيناريو التغيير الجزئي: حيث يُتوقع أن يحافظ آيزنكوت على المقاربة الأمنية الصارمة، مع إدخال تعديلات تكتيكية محدودة تهدف إلى تحسين صورة إسرائيل دولياً واحتواء الأزمات الإنسانية.
- سيناريو الاستمرارية: وفيه تبقى السياسات الأساسية دون تغيير جوهري، مع التركيز على إدارة الصراع بدلاً من حله، والاستمرار في التوسع الاستيطاني.
- سيناريو الانفتاح السياسي: ويقوم على إحياء مسارات تفاوضية أو ترتيبات مرحلية، مدعومة بضغط دولي متزايد، غير أن فرص نجاحه تبقى مرهونة بموازين القوى داخل الائتلاف الحاكم.
انعكاسات إقليمية ودولية
لن تقتصر تداعيات هذا التحول على الساحة الإسرائيلية الداخلية، بل ستمتد إلى الإقليم بأسره.
فالتغيير المرتقب في قيادة الحكومة قد يؤثر على العلاقات مع الولايات المتحدة، التي تبدي اهتماماً متزايداً بمسار التطبيع الإقليمي وترتيبات ما بعد الحرب.
كما أن مستقبل ملفات حساسة، مثل إعادة الإعمار في غزة، والملف النووي الإيراني، والعلاقات مع دول الجوار العربي، سيكون رهيناً بتوجهات الحكومة الجديدة وقدرتها على المناورة وسط ضغوط متضاربة.
وفي المحصلة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يشكل وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة نقطة تحول حقيقية في السياسة الإسرائيلية، أم مجرد تغيير في الوجوه مع بقاء الجوهر على حاله؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا التساؤل المصيري.

التعليقات