تشهد المنطقة حالة من الترقب والقلق المتصاعد بعد أن أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات رسمية وعاجلة من انهيار الوضع الأمني في الأراضي اللبنانية، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في واحدة من أكثر البؤر الساخنة حساسية على خريطة الشرق الأوسط.
ففي ظل تسارع التطورات السياسية والأمنية الإقليمية، بات الخوف من تداعيات غياب المظلة الأممية — التي طالما اعتُبرت صمام أمان يمنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع وأشمل على الحدود الجنوبية للبنان — أمراً ملموساً وليس مجرد تكهنات.
اليونيفيل.
ثلاثون عاماً من الحراسة على خط التماس.
تُعد قوات حفظ السلام الدولية المعروفة باسم «اليونيفيل» من أقدم وأكبر بعثات حفظ السلام في العالم، إذ أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 عام 1978 بعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، ثم جرى توسيع مهامها بالقرار 1701 عام 2006 بعد حرب يوليو.
وتنتشر البعثة اليوم في منطقة جنوب نهر الليطاني بعضوية أكثر من أربعين دولة مساهمة بقوات، وتتولى مهمة مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الجيش اللبناني في بسط سلطته على أراضيه، إضافة إلى العمل على ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين.
وعلى مدى العقود الماضية، أدى انتشار اليونيفيل على طول الخط الأزرق دوراً محورياً في تقليل الاحتكاك الميداني المباشر بين الأطراف المتصارعة، رغم الانتقادات المتكررة التي طالت حدود تفويضها وقدرتها على التنفيذ الكامل لولايتها.
تحذيرات أممية عاجلة من فراغ أمني وشيك
أعرب المسؤول الأممي البارز عن قلقه العميق إزاء الخطط الجارية لسحب قوات حفظ السلام الدولية من مناطق العمليات بجنوب لبنان.
وأكدت التقارير الواردة من المنظمة الدولية أن هذا القرار المرتقب قد يخلق بيئة خصبة للمزيد من التوترات، لا سيما وأنه سيترك فراغاً أمنياً وعسكرياً هائلاً يصعب ملؤه في ظل الظروف الراهنة والحرجة التي تمر بها الدولة اللبنانية، التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية ومالية متلاحقة وأوضاع مؤسساتية هشة تحدّ من قدرة الجيش اللبناني على تحمل أعباء إضافية.
ويشير المراقبون إلى أن تزامن الانسحاب مع هذا الوضع الداخلي الهش يرفع من مخاطر انفلات ضبط النفس، ويضع مسؤولية مضاعفة على عاتق القيادة العسكرية اللبنانية التي ستضطر إلى إعادة توزيع وحداتها المحدودة الموارد على نقاط انتشار أوسع.
تداعيات إقليمية ومخاوف متزايدة على الاستقرار
يأتي هذا التحذير الأممي ليدق ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي والدول الفاعلة في الملف اللبناني، حيث يخشى المراقبون من أن يؤدي غياب القوات الدولية إلى فقدان السيطرة على خطوط التماس وزيادة احتمالات الاحتكاك الميداني.
وتواصل الجهات الدبلوماسية مراقبة الموقف عن كثب وسط مطالبات بإعادة النظر في التوقيت والآليات الخاصة بعمل البعثة الدولية لضمان عدم تعرض استقرار المنطقة لهزات عنيفة يصعب احتواؤها لاحقاً.
وتتوزع المخاوف على ثلاثة مستويات رئيسية: الأول أمني يتعلق باحتمال عودة عمليات التسلل والتحركات غير المرصودة على طول الحدود، والثاني سياسي مرتبط بإضعاف موقف الدولة اللبنانية في أي مفاوضات مستقبلية حول ترسيم الحدود وتثبيت وقف الأعمال العدائية، والثالث إنساني يتصل بتأمين الحماية للسكان المدنيين في القرى الحدودية الذين يعتمدون إلى حد كبير على الحضور الدولي.
سيناريوهات محتملة ومطالب بإعادة النظر
في حال المضي في الانسحاب دون ترتيبات بديلة واضحة، يطرح الخبراء سيناريوهات عدة، بينها تعزيز انتشار الجيش اللبناني بدعم لوجستي دولي، أو إنشاء آلية مراقبة خلفية بديلة تضمن استمرار تبادل المعلومات ووقف الخروقات، أو تأجيل الانسحاب لأجل مرتبط باستكمال بناء القدرات العسكرية المحلية.
ويجمع الدبلوماسيون على أن الأسوأ هو الانسحاب المتسرع غير المُدروس، الذي قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من التصعيد يصعب التحكم في مسارها.
الأمر الذي يجعل الملف اللبناني تحت مجهر المجتمع الدولي مجدداً هو أن استقرار الجنوب ليس شأناً لبنانياً داخلياً فحسب، بل ركيزة لاستقرار المنطقة بأسرها، وهو ما يفسر حجم التحذيرات المتقاطعة من عواصم القرار الكبرى.

التعليقات