من صانع للبهجة إلى باحث عن مأوى: قصة العم محمود عويد بائع غزل البنات في طور سيناء
في شوارع مدينة طور سيناء، حيث تتعانق رائحة السكر المحترق مع ضحكات الأطفال، اعتاد الأهالي على مشهد لا يتغير منذ سنوات طويلة: عربة خشبية صغيرة، وعليها ماكينة دوّارة تلف خيوط السكر الرفيعة، ويقف خلفها رجل مسن بابتسامة لا تفارق وجهه.
إنه العم محمود عويد، أشهر بائع غزل البنات في محافظة جنوب سيناء، والملقّب بين الأهالي بـ«صانع الفرحة».
سيرة رجل كرّس عمره لإسعاد الأطفال
على مدى عقود، ارتبط اسم العم محمود عويد بذكريات الطفولة لدى أجيال متعاقبة من أبناء المحافظة.
فمنذ أن بدأ عمله في بيع غزل البنات، لم يكن الرجل يبيع حلوى فقط، بل كان يصنع لحظات لا تُنسى.
كان الأطفال يتجمّعون حول عربته بعد انتهاء اليوم الدراسي، يحملون في أيديهم قطعاً معدودة من النقود، فيمنحهم كيساً من الحلوى الوردية وابتسامة تبقى في الذاكرة أطول من طعم السكر نفسه.
ومع مرور السنوات، صار العم محمود جزءاً من نسيج المدينة، يعرفه الصغار قبل الكبار، ويحكي عنه الآباء لأبنائهم كأنه شخصية من حكاياتهم اليومية.
لم تكن هذه المهنة البسيطة مجرد مصدر رزق فحسب، بل كانت عنوان كرامة وعمل شريف لم يعرف صاحبه يوماً طريقاً آخر غير الكدّ والصبر.
سنوات من الوقوف تحت شمس سيناء الحارقة وفي ليالي الشتاء الباردة، صنع خلالها رجلاً لم يطلب من أحد شيئاً، ولم يمدّ يده يوماً للسؤال، مكتفياً بعرق جبينه وابتسامة لا تخذل أحداً.
حين انقلبت الأحوال: دموع مكان الضحكات
لكن الأيام لا تسير دائماً كما يشتهي الإنسان.
مع تقدم العمر وتجاوز العم محمود عامه السادس والسبعين، بدأت الصحة تخونه والجسد يرفض الاستمرار على الوتيرة نفسها، وتراجعت حركة البيع في الشوارع مع تغيّر أنماط الحياة وانتشار المتاجر الحديثة.
وهكذا وجد الرجل نفسه فجأة في موقف لم يكن يتوقعه أبداً: بلا مأوى يحميه، وبلا مصدر ثابت للرزق، يبحث بيأس عن مكان يستره في خريف عمره، بعد أن ضاقت به السبل وأغلقت في وجهه الأبواب.
تحولت الابتسامة الدافئة التي رافقت أطفال المدينة لعشرات السنين إلى دموع صامتة تخفي خلفها سنوات من الشقاء والكفاح.
الرجل الذي كان يوزّع البهجة على الآخرين، صار اليوم هو من يحتاج إلى يد تمتد إليه لتمنحه بعضاً منها.
موجة تعاطف واسعة تجتاح منصات التواصل
لم تمرّ قصة العم محمود مرور الكرام.
فبمجرد أن انتشرت تفاصيل حالته على منصات التواصل الاجتماعي، انهالت التعليقات والمشاركات من آلاف المصريين الذين عبّروا عن صدمتهم وحزنهم العميق.
كتب أحدهم: «كيف يصل هذا الرجل الذي أسعد أطفالنا إلى هذا الحال؟»، بينما علّق آخر: «العم محمود جزء من ذاكرتنا، ولا يصح أن نتركه وحيداً في الشارع».
هذا التعاطف الشعبي الواسع لم يقتصر على حدود محافظة جنوب سيناء، بل امتد ليشمل مختلف محافظات مصر، في مشهد يعكس دفء المعدن المصري الأصيل وقدرة الشارع المصري على التكاتف وقت الشدة، مستلهماً روح التضامن التي تجلّت في مواقف كثيرة مشابهة خلال السنوات الأخيرة تجاه الفئات الأكثر احتياجاً من كبار السن والباعة الجائلين.
نداء عاجل لأهل الخير والجهات المعنية
تتجه الأنظار الآن إلى الجهات المعنية في المحافظة، ومنظمات المجتمع المدني، وأصحاب القلوب الرحيمة، للتدخل العاجل ومدّ يد العون لهذا الشيخ الجليل.
فالمطلوب ليس كثيراً: مأوى آمن يستر شيخوخته، ورعاية صحية تناسب عمره، وحياة كريمة تليق بمن أفنى عمره في إسعاد الآخرين.
قصة العم محمود عويد ليست مجرد خبر عابر، بل هي درس في الكرامة والصبر، ومرآة تعكس حال كثيرين ممن قضوا حياتهم في العمل الشريف ثم وجدوا أنفسهم وحدهم في نهاية الطريق.
ولعلّ أرفع ما يمكن أن يقدّمه المجتمع لهذا الرجل، أن يردّ له جزءاً من الفرحة التي غرسها في قلوب أطفاله طوال هذه السنوات، حتى يبقى لقب «صانع الفرحة» عنواناً يستحقه عن جدارة، لا ذكرى لحكاية انتهت.
نداءٌ صادق للمسؤولين وأهل الستر: يدٌ واحدة قد تغيّر حياة إنسان، فما بالكم بيدٍ من أمة لا تعرف أن تنسى من أسعدها.

التعليقات