التخطي إلى المحتوى

بقلم: د.

زينب طلعت حسن.

في ليلةٍ تتراجع فيها عقارب الساعة ستين دقيقة إيذانًا ببدء التوقيت الشتوي، أتوقف طويلًا أمام هذا التغيير البسيط في حساب الزمن، وأتأمل ذلك المعنى العميق الذي يغيب عن كثيرين؛ فليست المشكلة في تقديم الساعة أو تأخيرها، وإنما في أعمارنا التي تمضي، وفي لحظاتٍ لن تعود، وأشخاصٍ نودُّ لو أن الزمن توقف عند وجودهم بيننا.

والحقيقة أن تغيير التوقيت كان في الأصل فكرةً عملية تهدف إلى الاستفادة من ضوء النهار الطبيعي وتقليل استهلاك الطاقة، إلا أنه تحوّل عند المتأملين إلى مناسبة سنوية لمراجعة علاقتنا بالزمن.

فحين نعيد ضبط ساعاتنا، يجدُر بنا أن نعيد ضبط أولوياتنا أيضًا، ونطرح سؤالًا جوهريًا: كم من الوقت نمنحه لما يستحق، وكم نهدره فيما لا يستحق؟.

الوقت أمانة قبل أن يكون دقائق

أحترم الوقت احترامًا شديدًا، وأخشى مروره خوفًا لا يشبه أي خوف؛ لأنني أدرك أن كل دقيقة تنقضي هي جزء من أعمارنا يُطوى، وصفحة من كتاب حياتنا لا يمكن إعادة كتابتها.

فالوقت لا يأخذ منا سنوات العمر فحسب، بل يأخذ معه وجوهًا ألفناها، وأصواتًا أحببناها، وضحكاتٍ كانت تملأ أيامنا، وأماكن ارتبطت في وجداننا بأجمل الذكريات.

وقديما قالت العرب: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»، وهي حكمة تختصر حقيقة أن الزمن لا يرحم المتردد ولا ينتظر المتكاسل.

ومن هنا تبرز أهمية إدارة الوقت كفنٍ ومهارة، لا سيما أن الدراسات الحديثة تؤكد أن الشعور بضياع الوقت من أبرز أسباب القلق والتوتر، وأن ترتيب الأولويات وتقسيم المهام يمنحان الإنسان إحساسًا بالسيطرة على حياته وقدرةً أكبر على الإنجاز.

ما أقسى أن يصبح الحاضر ذكرى

ما أقسى أن نكتشف أن بعض اللحظات التي عشناها بكل عفوية أصبحت ذكريات نتمنى لو عادت، وأن بعض الأشخاص الذين كانوا جزءًا أصيلًا من تفاصيل يومنا أصبحوا في عالم الغياب، وأن أغلى ما نملك قد يصبح يومًا من الماضي الذي لا نملك إليه سبيلًا!

ولأن لحظات الحياة لا تُسترد، فإن من الحكمة أن نعيش الحاضر بوعي، وأن نقدّر من هم حولنا قبل أن يصبحوا صورًا على الجدران، وأن نحفظ في ذاكرتنا تفاصيل الأيام العادية، فهي وحدها ما يبقى حين ترحل الأحداث الكبرى.

فكثيرًا ما ننتظر المناسبات الكبرى لنعبّر عن مشاعرنا، بينما الحقيقة أن أجمل ما في الحياة يتشكّل من تفاصيل صغيرة: مكالمة قصيرة، وكلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وجلوس على مائدة واحدة.

خوفٌ مرتبط بالحساب لا بالنقص

إنني لا أخشى مرور الوقت لمجرد أنه يُنقص من سنوات أعمارنا، بل أخشاه لأنني أعلم أن كل يوم يمضي يقربنا من لقاء الله، ومن ذلك اليوم العظيم الذي نقف فيه بين يديه، ونُسأل عن أعمارنا فيما أفنيناها، وعن أوقاتنا كيف استثمرناها، وعن أيامنا ماذا قدّمنا فيها لأنفسنا وللناس.

وهذا الشعور بالمسؤولية يحوّل الزمن من مجرد عددٍ من الساعات إلى بوصلةٍ للعمل الصالح والأثر الطيب.

وهنا يلتقي البُعد الإيماني بالبُعد العملي؛ فالإنسان المسؤول عن وقته هو من يخطط ليومه، ويبدأ بالأهم قبل المهم، ويخصّص وقتًا للعبادة والعمل والراحة والعلاقات، ولا يؤجل عمل اليوم إلى الغد.

فتنظيم الوقت ليس ترفًا، بل ركيزة أساسية لتحقيق التوازن بين متطلبات الحياة الروحية والاجتماعية والمهنية.

دروس تغيير التوقيت

ولعل تغيير الساعة اليوم يذكّرنا بأن الزمن لا يتوقف لأحد، وأن عقارب الساعة مهما تراجعت، فإن عقارب العمر لا تعود إلى الوراء، وأن ما مضى من أعمارنا لن نسترده، وما بقي منها لا نعلم مقداره.

ومن هذا الدرس تنبثق جملةٌ من المبادئ العملية التي يمكن أن نغيّر بها إيقاع أيامنا:.

  • البدء بما هو أهم، وعدم ترك المهام الكبرى حتى آخر لحظة.
  • تخصيص وقت ثابت للعبادة والقراءة والتأمل، ففيه تغذية للروح والعقل.
  • الاهتمام بصلات الرحم والعلاقات الإنسانية، ففيها كنزٌ لا يُقدَّر بثمن.
  • الاعتدال في الراحة والأخذ بأسباب الصحة الجسدية والنفسية.
  • الابتعاد عن التسويف والقرارات المؤجلة، فهو أخطر سارق للوقت.

اغتنام ما تبقى

فيا ليتنا نتعلم أن نمنح كل شيء قدره؛ فلا نهدر أعمارنا في خصوماتٍ لا تستحق، ولا نستنزف أيامنا في أحزانٍ تطول، ولا نؤجل كلمة طيبة، ولا نبخل بمودة، ولا نؤخر عملًا صالحًا، ولا ننسى أن أجمل استثمار للوقت هو أن نترك في حياة الآخرين أثرًا طيبًا، وفي صحائف أعمالنا ما يسعدنا يوم نلقى الله.

فالأثر الطيب هو ما يبقى بعد أن يرحل صاحبه، وأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.

اللهم إنّا نسألك بركةً في الوقت، ونورًا في العمر، وتوفيقًا في العمل، وحُسنًا في استثمار أيامنا وساعاتنا.

اللهم لا تجعل أعمارنا تمضي سدى، ولا تجعل أوقاتنا شاهدةً علينا، وارزقنا اغتنام لحظات الحياة فيما يرضيك، والعمل الصالح الذي يبقى أثره بعد رحيلنا.

اللهم بارك لنا فيما بقي من أعمارنا، واغفر لنا ما مضى منها، وأحسن خاتمتنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك.

فالساعة قد تتغير… أما العمر فيمضي، والسعيد من أدرك قيمة ما تبقى منه قبل أن يصبح كل ما يملكه مجرد ذكرى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *