لم تُحسم بعدُ ملامح الحكومة الإسرائيلية المقبلة، بعد أن أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 للكنيست السادسة والعشرين مشهداً سياسياً بالغ التعقيد، حيث لم يتمكن أي من المعسكرين المتنافسين من بلوغ عتبة الـ61 مقعداً المطلوبة للأغلبية المريحة في برلمان مؤلف من 120 مقعداً.
معسكر نتنياهو يتقدم لكنه يفتقد الأغلبية
تشير النتائج شبه النهائية، بعد فرز أكثر من 90% من الأصوات، إلى أن معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المؤلّف من الليكود وحلفائه من الأحزاب الدينية والقومية يحصد نحو 53 مقعداً، في تراجع كبير عن الـ68 مقعداً التي كان يمتلكها الائتلاف المنتهية ولايته [ref:1,5,8].
ورغم تصدّر الليكود لنتائج الانتخابات، فإن هذه الحصيلة لا تكفي بمفردها لتشكيل حكومة، إذ إن نتنياهو يحتاج إلى خيارات غير تقليدية: إما استقطاب نواب من كتلة المعارضة، أو توسيع ائتلافه بتسويات سياسية شائكة.
معسكر آيزنكوت: قوة لا تحكم وحدها
في المقابل، حلّ معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت في المرتبة الثانية بحصيلة تتراوح بين 52 و53 مقعداً وفق التقديرات الأولية [ref:2,6].
ويبدو هذا المعسكر أقرب إلى أغلبية نظرية إذا ما أُضيفت إليه أصوات الأحزاب العربية التي حصدت ما بين 15 و17 مقعداً، وهي كتلة تتحول إلى «بيضة القبان» في أي حسابات حكومية [ref:18].
غير أن المحللين يشيرون إلى أن معظم مكونات المعارضة اليهودية ترفض عملياً الاستناد إلى الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة، مما يعيد المعادلة إلى نقطة الصفر.
لماذا تتكرر الأزمة السياسية في إسرائيل؟
هذه الحالة من التعطيل ليست وليدة اللحظة، بل هي حصيلة نزعات بنيوية أعمق: نظام انتخابي قائم على التمثيل النسبي بلا عتبة انتخابية مرتفعة، ما يفرز أحزاباً صغيرة عديدة لا يمكن لأي منها تحقيق الغالبية منفردة، إضافة إلى الانقسامات الأيديولوجية الحادة بين اليمين المتطرف والأحزاب الوسطية واليسارية والعربية.
وقد أدى هذا الوضع إلى أربع جولات انتخابية متتالية في غضون عامين فقط بين 2019 و2022، وها هي أزمة التشكيل تعود من جديد [ref:10].
السيناريوهات المحتملة في ضوء القانون الإسرائيلي
- سيناريو الائتلاف اليميني الهش: يكلف رئيس الدولة أحد أعضاء الكنيست، خلال سبعة أيام من نشر النتائج الرسمية، بمهمة تشكيل الحكومة، ويُمنح المكلف مدة 28 يوماً قابلة للتمديد لمحاولة بناء ائتلاف يتجاوز 61 مقعداً عبر ضم أحزاب صغيرة أو تشكيل حكومة أقلية بدعم خارجي.
- سيناريو الحكومة البديلة بقيادة آيزنكوت: نجاح المعارضة في تجاوز الخلافات الداخلية وبناء تحالف وسط–يسار يتمكن من ضمان ثقة الكنيست.
- سيناريو الطريق المسدود: فشل جميع المكلفين، ما يدفع الرئيس إلى إعادة التفويض مرة أخرى، أو اللجوء إلى حل الكنيست والدعوة لانتخابات جديدة في غضون أشهر.
- سيناريو حكومة وحدة طارئة: وهو خيار تلوح به بعض الأوساط كحل وسط يحفظ الاستقرار ويجنّب إسرائيل صندوق اقتراع آخر.
انعكاسات إقليمية ودولية
لا تقتصر تداعيات هذا الغموض على الساحة الداخلية الإسرائيلية فحسب، بل تمتد إلى ملفات بالغة الحساسية: مسار التقارب والتطبيع في المنطقة، والتوازنات الأمنية على الجبهات المختلفة، والعلاقات مع الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن استثمارات القطاع التكنولوجي وثقة الأسواق.
وكل يوم إضافي من الجمود السياسي يرفع كلفة عدم اليقين على الاقتصاد ويزيد من هشاشة القرار الاستراتيجي في تل أبيب.
ماذا يراقب الشارع الإسرائيلي؟
بين الترقب والاستياء المتبادل بين مؤيدي الليكود وأنصار المعارضة، تبدو مسألة الثقة في النخب السياسية على المحك.
فاستمرار حالة التخبط قد يرسخ شعوراً واسعاً بأن منظومة الحكم عاجزة عن تقديم حلول عملية، مما ينعكس سلباً على المشاركة السياسية في الاستحقاقات المقبلة، ويضخ في الوقت نفسه زيتاً على نار الخطاب الشعبوي الذي يجد في التعطيل السياسي بيئة خصبة للنمو.
الخلاصة
النتيجة الأبرز من انتخابات 2026 ليست من فاز بعدد المقاعد الأكبر، بل أن أحداً لم يفز بالأغلبية.
ومع تعادل المعسكرين تقريباً، ستكون الأسابيع المقبلة ساحة صراع على كل صوت في الكنيست، والأرجح أن يُكتب فصولها في غرف المفاوضات المغلقة لا في صناديق الاقتراع.
والسؤال الأصعب يبقى مطروحاً: هل تملك إسرائيل اليوم قيادة سياسية قادرة على ترجمة الرياضيات البرلمانية إلى حكومة مستقرة؟.

التعليقات