مقدمة: حين تحكم في المعادلة الفيزياء وحدها
عندما نشرت مراكز الأبحاث العسكرية الغربية تقاريرها إبان حرب الاستنزاف، ذهبت إلى اعتبار مانع قناة السويس، المدعوم بساتر خط بارليف الرملي وحصونه الخرسانية، «المنظومة الأكثر مناعة منذ خط ماجينو».
وانطلقت هذه التقارير من حسابات فيزيائية بحتة: حجم قوة النيران المطلوبة لتدمير الساتر، وزاوية انحداره، والزمن اللازم لتدفق القوات وعبور المانع المائي.
وكان في ذلك أمرٌ جليل بحساباته؛ غير أن ما أغفلته تلك المقاربات هو البعد الأنثروبولوجي والاستراتيجي للجيش المصري.
فالأمم ذات التاريخ الممتد لا تخوض حروبها بأسلحة اللحظة الراهنة فقط، بل بعمق الجغرافيا الإنسانية والعقائدية المتراكمة في ذاكرتها الجماعية.
عندما تتكلم الأحجار: أبحاث د.
ممدوح الدماطي.
هذا التلاقي الفكري العميق هو ما اقتحمته أبحاث عالم المصريات القدير الدكتور ممدوح الدماطي، وزير الآثار الأسبق، حول «الفنون والعمارة العسكرية في مصر القديمة».
فالمتأمل في دراساته يكتشف أن الأحجار تتحدث، وأنها ترفع الغطاء عن البنية التحتية للفكر العسكري المصري القديم، القائم على ثنائية واضحة: التحصين الهندسي المتقدم لمداخل القطر، واستباق التهديد خارج الحدود؛ وذلك لفرض التوازن الوجودي وصيانة استقرار الدولة.
وقد تبلور هذا الوعي مبكرًا في عصر الدولة الوسطى، حين أقام سنوسرت الثالث، أحد أعظم فراعنة الأسرة الثانية عشرة، سلسلة من الحصون على امتداد النوبة السفلى جعلت من النيل شريطًا محصنًا لا يُخترق، وأشهرها قلعتا سمنة وقمنة عند الشلال الثاني، اللتان عملتا كحصون متقدمة لحماية الحدود الجنوبية والغربية لمصر.
ولم تقتصر دلالته على العمارة، بل امتدت إلى النقوش، ومنها لوحة سمنة الحدودية الشهيرة التي أعلن فيها الملك أن حدود مصر لا تُتجاوز.
وكانت هذه القلاع، في جوهرها، محطات استخباراتية ونقاط فرز لوجستي وموانع تكتيكية تتحكم في حركة النهر والبر، عبر خنادق اصطناعية وأبراج مراقبة بزوايا رمي متداخلة تضمن تغطية نيرانية كاملة.
الجبهة الشرقية: طريق حورس وبوابات الدلتا
أما عن الجبهة الشرقية، وهي مكمن الخطر الاستراتيجي الدائم، فقد شيد المصريون القدماء منظومة «طريق حورس» العسكري بسلسلة متتابعة من الحصون ونقاط الإمداد المحكمة، تبدأ من قلعة ثارو (القنطرة شرق حاليًا) وصولًا إلى رفح.
وكان الهدف ضبط الميدان وتحويل الجغرافيا المفتوحة إلى ممرات خنق لطويق الغزاة، وهو ما يفسر التوسع في تحصينات «حائط الأمير» الذي أُعلن عن الكشف عن أجزاء منه في موقع تل حبوة ضمن مجموعة من القلاع العسكرية من عصر الدولة الوسطى.
وفي عصر الدولة الحديثة، دعمت هذه الاستراتيجية خطوط دفاع جديدة في الشام، امتدت حتى بيبلوس على الساحل الفينيقي، بما يكشف عن إدراك مبكر لمعنى العمق الاستراتيجي وليس مجرد حماية الخطوط الأمامية.
هذا الوعي الصارم بحماية بوابات القطر يعيد إنتاج نفسه في كل مفصل تاريخي؛ فالأمن المصري يبدأ من تخوم الصحراء الشرقية.
ودرس ضياع سيناء في 1967 كان يشرح كيفية خسارة الأرض نتيجة الخلل الفادح في المعادلة الدفاعية، وهي المعادلة نفسها التي أرساها الفراعنة قبل أربعة آلاف عام.
خط بارليف: بين ذروة الهندسة وخطأ التمترس
لقد درست معاهد الدراسات الحربية الدولية خط بارليف بوصفه ذروة الهندسة العسكرية الإسرائيلية في وقتها.
لكن جغرافيا جينات الجندي المصري كان لها رأي آخر؛ إذ اعتبرت أن التمترس خلف الموانع الضخمة خطأ فادحًا، لأنه يُدرس بمعزل عن العقيدة المصرية القديمة التي تحوّل معوقات التضاريس إلى ميزات عملياتية.
وقد ظهر ذلك جليًا في حملات تحتمس الثالث العسكرية وحصار مجدو الشهير، حين سلك الممر الوعر الضيق بدلًا من الطرق السهلة المكشوفة، تحقيقًا لمبدأ المفاجأة.
إن روح «ممر عرونة» ذاتها تجلت ظهيرة السادس من أكتوبر 1973، باللجوء إلى خراطيم المياه ذات الضغط العالي لفتح الثغرات في الساتر الترابي؛ وهو حل هيدروليكي انبع من طبيعة تفاعل المصري مع بيئته النهرية، فليسقط أسطورة الساتر الرملي عندئذ.
وكان ترويض القناة، بوصفها أعقد مانع مائي حربي، ونصب الكبارى العائمة تحت نيران المدفعية المعادية، تكرارًا حديثًا للعبقرية الهندسية التي نقلت الجيوش والأسلحة الثقيلة عبر النيل وموانع الدلتا منذ عهود أحمس ورمسيس الثاني.
عنصرا العقيدة: العقل الصارم والشرف الكوني
في دراسة نصوص الانتصارات الفرعونية يبرز عنصران لا ينفصلان: التخطيط الاستخباراتي الصارم الخالي من العاطفة والاندفاع، والاندفاع المعنوي لاسترداد الشرف القائم على حماية النظام الكوني (الماعت) ضد الفوضى (الإسفت)، وبألوية آمون وبتاح وست، وبحسابات دقيقة لحركة الشمس والرياح وإمدادات المياه في الصحراء.
هذا المزيج بين العقل والحس العقائدي هو ما يمنح الجيش المصري مرونة تجعله يتكيف مع أي مانع، لا أن يُقيَّد بقدرات الموانع المادية.
خاتمة: الوريث الشرعي لأول جيش نظامي
هكذا أبانت دراسات د.
الدماطي أن الجيش المصري الحديث هو الوريث الشرعي لأول جيش نظامي عرفته البشرية، في عقيدته وتخطيطه وعبقريته الهندسية.
وما حدث في السادس من أكتوبر لم يكن معجزة تناقض الحسابات الفيزيائية، بل كان إنجازًا صنعه إنسان يتقن حساباته، وهو في الوقت نفسه يحمل في وجدانه ألفية من الخبرة في حماية بوابات القطر؛ فحق له النصر.
المصدر: مؤسسة الأهرام المصرية.

التعليقات