يشكّل ملف الأمن المائي في مصر أحد أبرز الملفات الاستراتيجية التي تحظى باهتمام متزايد على المستويين الرسمي والبرلماني، في ظل التحديات المتنامية المرتبطة بمحدودية الموارد المائية وارتفاع معدلات الطلب نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني والزراعي.
وفي هذا السياق، أكدت النائبة نجلاء العسيلي، عضو مجلس النواب، على ضرورة إحداث نقلة نوعية في فلسفة التعامل مع مشروعات قطاع المياه والصرف الصحي في مختلف المحافظات المصرية، مشددة على أن التحديات الراهنة تفرض التفكير خارج الصندوق وتبني استراتيجيات غير تقليدية تضمن بقاء هذه الخدمات الحيوية واستدامتها لأطول فترة ممكنة.
رؤية برلمانية شاملة لتطوير قطاع المياه والصرف الصحي
أوضحت النائبة أن استراتيجية تطوير البنية التحتية لمياه الشرب والصرف الصحي لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الإنشائي المتمثل في حفر الآبار وإقامة المحطات الجديدة ومد شبكات الأنابيب الطويلة في القرى والمدن، بل يجب أن تمتد لتشمل منظومة تشغيل وصيانة ذكية قادرة على مواجهة الأزمات الطارئة وتقليل الفاقد من هذه الثروة الحيوية التي تُعد عصب الحياة للتنمية المستدامة في الجمهورية الجديدة.
وفي هذا الإطار، تشير الدراسات إلى أن نسبة الفاقد في شبكات المياه تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه قطاع المرافق، حيث تُهدر كميات كبيرة من المياه المنتجة سنوياً بسبب التسريبات والتوصيلات غير القانونية وتقادم الشبكات، وهو ما يجعل تحديث منظومات الصيانة والمراقبة أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
الإدارة الذكية للموارد المائية كلمة السر في الاستدامة
وأضافت العسيلي أن الاعتماد على الآليات الحديثة في إدارة الموارد المائية أصبح ضرورة ملحة، إذ تتيح التكنولوجيا المتقدمة وأنظمة التحكم الآلي مراقبة الشبكات لحظة بلحظة، ورصد أي تسريب أو أعطال محتملة والتعامل معها بسرعة، مما يوفر ملايين الأمتار المكعبة من المياه التي كانت تُهدر، فضلاً عن تعظيم الاستفادة القصوى من كل قطرة مياه متاحة، تماشياً مع رؤية الدولة المصرية للتنمية المستدامة 2030.
وتتضمن أدوات الإدارة الذكية استخدام العدادات الذكية التي تتيح القراءة عن بُعد وكشف الاستهلاك غير الطبيعي، وشبكات الاستشعار التي ترصد الضغوط والتسريبات في الوقت الفعلي، إضافة إلى أنظمة المعلومات الجغرافية التي ترسم خرائط دقيقة للشبكات وتحدد نقاط الضعف فيها قبل تفاقمها.
التصنيع المحلي: درع واقٍ لحماية الاقتصاد وحق الأجيال
وفي سياق متصل، شددت البرلمانية على أهمية التوسع في التصنيع المحلي للمعدات والقطع الغيار الخاصة بمحطات المياه والصرف، مؤكدة أن توطين هذه الصناعات الاستراتيجية داخل مصر يسهم بشكل كبير في توفير العملة الأجنبية ويقلل من الاعتماد على الاستيراد الخارجي، فضلاً عن ضمان سرعة توفير الصيانة والاحتياجات اللازمة للمشروعات القائمة بكفاءة عالية، وهو ما يمثل درعاً واقياً لحفظ حقوق الأجيال القادمة في التمتع بموارد مائية مستدامة وآمنة.
ولا يقتصر أثر التصنيع المحلي على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى تعزيز القدرة على الاستجابة السريعة للأعطال، وتقليل فترات توقف المحطات، وخلق فرص عمل فنية متخصصة للشباب، ودعم سلاسل التوريد الوطنية في هذا القطاع الحيوي.
نحو شراكة متكاملة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع
ويبقى نجاح هذه الرؤية مرهوناً بتكامل الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأهمية ترشيد استهلاك المياه والحفاظ على شبكات الصرف الصحي، باعتبار ذلك مسؤولية مشتركة تصون مورداً لا بديل عنه، وتضمن استمراريته للأجيال القادمة.

التعليقات