التخطي إلى المحتوى

سرطان الرئة ليس حكراً على المدخنين.

الحقيقة التي يغفلها كثيرون

.

لطالما ارتبط مرض سرطان الرئة في أذهان الناس بصورة السيجارة أو رأس الشيشة، باعتبارهما السبب الأول والوحيد للإصابة.

لكن الطب الحديث يكشف صورة أكثر تعقيداً وإثارة للقلق، إذ تتزايد أعداد المصابين بين فئات لم تدخن يوماً واحداً في حياتها، لتصبح الحيرة أمراً مشروعاً: ما الذي يضع رئات هؤلاء تحت هذا الهجوم الخفي؟.

تشير تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أن ما بين 10% و20% من حالات سرطان الرئة سنوياً تُشخّص لدى أشخاص لم يدخنوا مطلقاً أو دخنوا أقل من مئة سيجارة في حياتهم [ref:19].

وتقول منظمة الصحة العالمية إن العالم شهد في عام 2022 نحو 2.5 مليون إصابة جديدة بسرطان الرئة، وأكثر من 1.8 مليون وفاة بسبب المرض، وهو ما يجعله أكثر أنواع السرطان فتكاً على الإطلاق [ref:13].

خطر خفي يتنفسه الجميع: تلوث الهواء قاتل صامت

لم يعد تلوث الهواء مجرد مشكلة بيئية تسبب الحساسية وضيق النفس الموسمي، بل تحوّل إلى عامل خطر مؤكد للأورام.

فقد صنّفت الدراسات تلوث الهواء الخارجي بوصفه ثاني أكبر سبب للإصابة بسرطان الرئة بعد التدخين [ref:12]، وقدّرت دراسة عالمية أن الجسيمات الدقيقة العالقة (PM2.5) ساهمت وحدها في نحو 14.1% من إجمالي وفيات سرطان الرئة حول العالم في عام 2017 [ref:1].

وتذهب تقديرات الاتحاد الدولي لمكافحة السرطان إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن ما يقرب من نصف حالات سرطان الرئة لدى غير المدخنين مرتبطة بالتلوث الجوي [ref:4]، وأن نحو ثلث حالات السرطان الغُدي (Adenocarcinoma) التي تُشخّص سنوياً على مستوى العالم — ويعادل ذلك نحو مئتي ألف حالة من أصل 600 ألف — قد تعود جذورها إلى تلوث الهواء [ref:6].

كيف تصل السموم إلى الرئتين؟

الجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر أخطر مما يُتصور، فهي صغيرة بما يكفي لاختراق الدفاعات الطبيعية للجهاز التنفسي والوصول إلى أعماق الحويصلات الهوائية، بل والتسرب إلى مجرى الدم.

وتتكون هذه الجسيمات من عوادم السيارات، والاحتراق الصناعي، ودخان المصانع، والأتربة الناعمة المتصاعدة من مواقع البناء.

ولا تقتصر المشكلة على الشوارع المزدحمة، بل تمتد إلى المنازل القريبة من الطرق السريعة، والمحلات التي تعتمد على احتراق الوقود الداخلي.

وتكشف دراسات حديثة عن آلية بيولوجية أكثر دقة: فقد لوحظ أن الأورام لدى الأشخاص المعرضين لمستويات عالية من تلوث الهواء تحمل عدداً أكبر من الطفرات في جين TP53، وهو ما يفسر كيف يمهّد التلوث الطريق أمام تحوّل الخلايا السليمة إلى خلايا سرطانية [ref:10].

كما رُصد في السنوات الأخيرة ارتفاع ملموس في معدلات الإصابة بين النساء وأصحاب الأصول الآسيوية تحديداً [ref:7].

ليست كل الأسباب تدخيناً: عوامل مساعدة لا تُهمل

إلى جانب التلوث البيئي، فإن نسبة معتبرة من حالات سرطان الرئة لدى غير المدخنين تبقى بلا سبب واضح، لكن الأبحاث تُرجّح تداخل عدة عوامل، منها:

  • التعرض للتدخين السلبي: البقاء في مساحات ملوثة بدخان الآخرين داخل المنزل أو مكان العمل.
  • غاز الرادون المشع: غاز طبيعي ينبعث من باطن الأرض ويتسرب إلى المباني، ويُعد ثاني سبب للإصابة في بعض الدول.
  • الاستعداد الوراثي والجيني: وجود تاريخ عائلي للمرض يرفع حساسية الشخص لمؤثرات بيئية بسيطة.
  • التعرض المهني: العمل في بيئات تحتوي على الأسبستوس أو الرصاص أو الغازات الناتجة عن الاحتراق.
  • الأمراض الصدرية المزمنة: مثل التليف الرئوي أو التهابات الرئة المتكررة.

توصيات طبية لحماية رئتيك في زمن الهواء الملوث

لا يعني حجم المشكلة أن الوقاية مستحيلة، بل على العكس؛ فالوعي المبكر والخطوات العملية قادران على تقليل المخاطر بشكل ملموس.

وينصح الخبراء بـ:.

  • متابعة مؤشر جودة الهواء يومياً، وتجنب الأنشطة الخارجية المجهدة في ساعات الذروة التلوثية، خصوصاً للأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض الصدرية.
  • الابتعاد قدر الإمكان عن الطرق السريعة والمصانع عند اختيار مسكن أو موقع عمل، واستخدام مسارات جانبية أقل ازدحاماً أثناء التنقل.
  • الاعتماد على وسائل الحماية الشخصية كالكمامات عالية الكفاءة عند الاضطرار للتواجد في بيئات ملوثة.
  • تحسين جودة الهواء الداخلي بالتهوية الذكية، وأجهزة تنقية الهواء، وتجنب مصادر الاحتراق داخل المنزل.
  • الفحوصات الدورية المبكرة لأصحاب العوامل المساعدة، فقد يسهم الكشف المبكر في إنقاذ حياة قبل تفاقم المرض.
  • الإقلاع عن التدخين نهائياً والحد من التعرض للتدخين السلبي، لتقليل العبء الإجمالي على الرئتين.

في النهاية، يبقى الرسالة الأهم أن سرطان الرئة ليس قصة تدخين فقط، بل قصة هواء نستنشقه جميعاً.

والوعي بذلك هو الخطوة الأولى نحو حماية جهاز تنفسي قد لا يتحمل مزيداً من التلوث الصامت، فابدأ اليوم بخطوة صغيرة لصالح رئتيك.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *