التخطي إلى المحتوى

في إنجاز علمي غير مسبوق قد يقلب فهمنا للشمس رأساً على عقب، نجح فريق بحثي في الصين في إعادة إنتاج الانفجارات الشمسية الهائلة داخل بيئة معملية محكمة، في خطوة تُعد الأولى من نوعها لدراسة الظروف الفيزيائية القاسية التي تصاحب هذه الأحداث الكونية العنيفة.

ويمهد هذا التقدم الطريق نحو حل واحد من أعظم الألغاز التي أرهقت الفيزيائيين لقرون: لماذا تكون الطبقات الخارجية للشمس أشد حرارة بكثير من سطحها؟.

اللغز المحيّر: حين ترتفع الحرارة بالابتعاد عن المصدر

تخالف الشمس كل بديهياتنا الفيزيائية اليومية؛ فحين تبتعد عن أي مصدر حراري كالنار أو المدفأة، تتراجع حرارتك تدريجياً وتشعر بالبرودة.

لكن الأمر ينقلب تماماً على سطح الشمس، إذ تبلغ حرارة السطح المرئي (الفوتوسفير) نحو 5500 درجة مئوية فقط، بينما تقفز الحرارة في الهالة الشمسية المحيطة بها إلى أكثر من مليون درجة مئوية، أي ما يقارب 200 ضعف.

هذه الظاهرة، المعروفة باسم “مشكلة التسخين الإكليلي”، ظلت بلا تفسير قاطع رغم عقود من البحث والدراسة.

محاكاة معملية تحاكي قسوة الفضاء الخارجي

وفق تقارير علمية نقلتها منصة “ساينس أليرت”، صمم الباحثون في مراكز بحثية صينية متقدمة بيئة اختبارية فائقة التعقيد قادرة على استنساخ الظروف الفيزيائية القاسية المصاحبة للانفجارات الشمسية.

وتتيح هذه المحاكاة، للمرة الأولى، مراقبة تفاعل البلازما الحارة مع المجالات المغناطيسية عن كثب، ودراسة آلية تحرر الطاقة الهائلة التي تغذي النظام الشمسي بأكمله.

وتركز التجارب على ظواهر مثل إعادة الاتصال المغناطيسي، الذي يُعتقد أنه أحد المحركات الأساسية لتسخين الهالة وتسريع الجسيمات المشحونة نحو الفضاء.

لماذا تهمنا هذه التجارب؟ حماية الأرض وطاقة المستقبل

تتجاوز أهمية هذا الإنجاز حدود الفهم النظري للشمس، لتمتد إلى تطبيقات عملية بالغة الأهمية:

  • حماية البنية التحتية الفضائية: فهم آلية العواصف الشمسية يساعد على حماية الأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات وأنظمة الملاحة الأرضية من التوهجات الشمسية المدمرة التي قد تعطلها فجأة.
  • حماية شبكات الكهرباء: العواصف الشمسية القوية قادرة على إحداث تيارات حثّية تعطب محولات شبكات الطاقة، وقد يُسهم التنبؤ الدقيق بها في تجنب كوارث واسعة النطاق.
  • طاقة نظيفة مستقبلية: يرى خبراء أن فك شفرة التفاعلات النجمية قد يفتح آفاقاً لتطوير تقنيات طاقة مستدامة تحاكي اندماج الهيدروجين داخل النجوم، على غرار أبحاث الاندماج النووي الطموحة.

آفاق دولية واسعة

يفتح هذا الإنجاز الباب أمام تعاون علمي دولي أوسع، إذ يمكن أن تُستخدم نتائجه للتحقق من النماذج النظرية الحالية وتطويرها، وربطها ببيانات المراصد الفضائية المتخصصة في رصد الشمس.

وبذلك تنتقل أبحاث الفضاء من الملاحظة البعيدة إلى التجربة المباشرة القابلة للتكرار، وهي نقلة نوعية قد تعيد صياغة ما نعرفه عن أقرب النجوم إلينا وأكثرها تأثيراً في حياتنا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *