تعيش أسواق الطاقة العالمية مرحلة استثنائية من التقلبات الحادة وعدم اليقين، إذ تتقاذفها عوامل سياسية واقتصادية متشابكة تجعل من الصعب على المستثمرين والمحللين رسم صورة واضحة لمستقبل أسعار الذهب الأسود.
وفي هذا الإطار، كشف المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق والخبير البارز في قطاع الطاقة، عن الأسباب الجوهرية التي تقف وراء هذا الضباب الكثيف الذي يخيم على حركة النفط في بورصات العالم، مؤكداً أن الأوضاع السياسية الراهنة تقف في مقدمة العوامل المؤثرة في هذا المشهد المتقلب.
الانتخابات الكبرى وتأثيرها المباشر على أسعار البترول
أوضح الخبير البترولي أن تزامن عدد من الاستحقاقات الانتخابية الكبرى في دول ذات ثقل مؤثر على المستوى العالمي مع الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة، قد خلق مناخاً خانقاً من عدم اليقين.فمثل هذه الانتخابات غالباً ما تحمل في طياتها توجهات سياسية واقتصادية جديدة قادرة على تغيير قواعد اللعبة برمتها، وهو ما يدفع شركات الطاقة الكبرى والمستثمرين إلى تبني استراتيجيات حذرة للغاية، ترقباً لأي مفاجآت قد تفرزها صناديق الاقتراع، والتي تنعكس بشكل مباشر على معدلات الإنتاج والطلب العالمي.ولا تقتصر تداعيات هذه الانتخابات على السياسة فحسب، بل تمتد إلى قرارات الاستثمار في مشاريع التنقيب والإنتاج طويلة الأجل، إذ يفضّل كثير من اللاعبين الكبار تأجيل القرارات الرأسمالية الضخمة لحين اتضاح ملامح السياسات الجديدة، وهو ما يضيف طبقة إضافية من الجمود إلى الأسواق.
التوترات السياسية والنزاعات الدولية تعمق أزمة الطاقة
إلى جانب الاستحقاقات الانتخابية، أشار أسامة كمال إلى أن الصراعات والتوترات السياسية المشتعلة في مناطق حيوية حول العالم تُعد بمثابة صواعق تفجير محتملة لأسعار النفط.فأي تهديد لخطوط الإمداد أو الممرات البحرية الاستراتيجية يرفع فوراً من علاوة المخاطر، مما يؤدي إلى تذبذب حاد في البورصات العالمية ويجعل التنبؤ بالمسار المستقبلي لأسعار برميل النفط أمراً في غاية الصعوبة خلال المرحلة المقبلة.وتبرز أهمية الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب، باعتبارها شرايين حياة لتجارة النفط العالمية؛ فأي اضطراب في حركة الملاحة عبر هذه المعابر كفيل بأن يقلب موازين السوق رأساً على عقب في غضون ساعات قليلة.
تداخل العرض والطلب وارتدادات السياسة النقدية
لم يقتصر التحليل على العوامل السياسية وحدها، بل تتقاطع معها اعتبارات اقتصادية بالغة الأهمية؛ فقرارات أسعار الفائدة التي تتخذها البنوك المركزية الكبرى تؤثر بشكل مباشر على تكلفة التمويل وقوة الدولار، وهو ما ينعكس بدوره على الطلب العالمي على الطاقة.ويضاف إلى ذلك التباين في توقعات النمو الاقتصادي بين الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ إن أي تباطؤ في النشاط الصناعي ينعكس فوراً على استهلاك الوقود.وفي المقابل، تلعب سياسات تحالف أوبك+ دوراً محورياً في ضبط إيقاع السوق عبر قرارات خفض أو زيادة الإنتاج، مما يخلق حالة من التوازن الهش بين مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
الطريق إلى استقرار الأسواق.
وما ينبغي مراقبتهيرى الخبراء أن استعادة الاستقرار في أسواق النفط تتطلب قدراً أكبر من الوضوح السياسي وتهدئة التوترات الجيوسياسية، إلى جانب تنسيق أعمق بين المنتجين والمستهلكين.
وفي ظل هذا الغموض، ينصح المستثمرون بتبني محافظ متوازنة والاعتماد على أدوات التحوط، مع متابعة دقيقة لمؤشرات المخزونات العالمية وبيانات الطلب وتطورات المشهد السياسي، لأن السوق بات يتفاعل مع كل تصريح وتطور بوتيرة متسارعة لم يشهدها من قبل.

التعليقات