تشهد الساحة اليمنية تصعيداً عسكرياً وأمنياً متسارعاً غير مسبوق، إذ تتقاطع أحداث العنف في أكثر من جبهة في الوقت نفسه، ما يضع البلاد أمام مشهد معقد من الفوضى والانفلات.
فبينما هزّت سلسلة غارات جوية عنيفة مدينة التربة في محافظة تعز جنوب غرب البلاد، كانت محافظة إب في وسط اليمن مسرحاً لاشتباكات مسلحة طاحنة بين فصائل تابعة لمليشيا الحوثي، في تطور يكشف حجم التصدعات الداخلية داخل صفوفها، ويترك المدنيين بين نيران القصف ورشقات الاقتتال الداخلي.
اقتتال دموي بين قوات الحوثي في إب
في التفاصيل الميدانية للصراع الداخلي، اندلعت مواجهات ضارية بين عناصر تابعة لما يُسمى بـ«قوات النجدة» وعناصر أخرى من الشرطة العسكرية الموالية لمليشيا الحوثي في محافظة إب، الواقعة في وسط اليمن.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الاشتباكات جاءت على خلفية أزمات متصاعدة تتعلق باحتجاز عناصر وأطقم عسكرية، وهو ما فجّر الغضب بين الطرفين ودفع إلى تبادل إطلاق النار في شوارع المحافظة.
وتُعدّ محافظة إب من أبرز معاقل المليشيا في المرتفعات الوسطى، وقد شهدت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التوترات الداخلية الناتجة عن صراعات النفوذ وتوزيع المواقع والموارد بين الأجنحة المتصارعة.
وتكشف هذه المواجهات المتكررة عن حجم التشققات والتناحر المستمر داخل صفوف المليشيا، وانعكاسه الدموي المباشر على الشارع اليمني، وسط غياب أي جهة قادرة على ضبط السلاح أو حماية السكان.
ويزيد الوضع خطورةً أن الاقتتال الداخلي لا يقتصر أثره على المقاتلين فقط، بل يمتد إلى المدنيين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين خطوط النار، في ظل انعدام الأمن وتعطّل الحركة التجارية وإغلاق الأسواق والمؤسسات الخدمية أثناء الاشتباكات.
غارات جوية مكثفة تستهدف مدينة التربة في تعز
وعلى الصعيد الميداني الموازي، تعرّضت مدينة التربة في محافظة تعز لسلسلة من الغارات الجوية القوية التي استهدفت مواقع متفرقة داخل المدينة ومحيطها، ما أسفر عن دوي انفجارات هائلة تردد صداها في أرجاء المنطقة، وأثار حالة واسعة من الذعر والهلع بين المدنيين الذين هرعوا للبحث عن ملاجئ آمنة.
وتُعدّ التربة من المدن ذات الحساسية الجغرافية في تعز، إذ تتقاطع فيها الطرق الرئيسية وتمثل حلقة وصل بين عدة مناطق، وهو ما يجعلها عرضة متكررة للاستهداف في سياق الصراع الممتد.
كما أن القصف الجوي يضاعف من معاناة السكان في محافظة تعز التي تُعتبر واحدة من أكثر المحافظات اليمنية تضرراً من الحرب، حيث يعاني سكانها من أزمات حادة في الغذاء والمياه والرعاية الصحية والكهرباء.
تداعيات إنسانية متصاعدة على المدنيين
وتأتي هذه التطورات المزدوجة لتزيد من تعقيد المشهد الأمني والإنساني في اليمن، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات كارثية تطال المدنيين الأبرياء جراء استمرار العنف والتصعيد العسكري على الجبهات كافة.
ويُضاف هذا التصعيد إلى سجل طويل من الأزمات المتراكمة، حيث يعيش ملايين اليمنيين في ظل أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة، مع استمرار النزوح الداخلي وتدهور الخدمات الأساسية وانتشار الأمراض والأوبئة.
ويحذّر مراقبون من أن أي توسع في رقعة المواجهات، سواء بين الأطراف المتنازعة أو داخل صفوف المليشيا نفسها، من شأنه أن يفاقم الكارثة الإنسانية ويصعّب من أي مسعى لتهدئة الأوضاع أو إيصال المساعدات الإغاثية إلى المتضررين.
كما أن تزامن القصف الجوي مع الاقتتال الداخلي يعكس حالة من العشوائية في استخدام القوة، ويضع المدنيين في مواجهة مباشرة مع مخاطر القتل والإصابة والتشريد.
مشهد معقد ومستقبل غامض
في المحصلة، يرسم المشهد اليمني الحالي صورة بالغة التعقيد؛ فمن جهة تتواصل العمليات العسكرية والغارات الجوية التي تستهدف المدن والمناطق السكنية، ومن جهة أخرى تتفاقم الصراعات الداخلية بين الفصائل التابعة للمليشيا، في مؤشر على هشاشة السيطرة وعدم استقرار البنية الأمنية.
ويبقى المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر في كل السيناريوهات، وسط آمال معلّقة على أي تحرّك جاد نحو التهدئة وإنهاء معاناته المستمرة منذ سنوات.

التعليقات