شيونغآن.
كيف تحوّلت المدينة الصينية الجديدة إلى نموذج عالمي للذكاء الاصطناعي والتنمية الخضراء؟.
في الوقت الذي تحتضن فيه مدينة شيونغآن الجديدة الواقعة شمالي الصين فعاليات منتدى الحوكمة العالمية 2026، المقرر انعقاده خلال الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر الجاري، تتجه الأنظار الدولية نحو هذه التجربة العمرانية الفريدة التي تجمع بين التحول الرقمي المتقدم والتنمية الخضراء والتخطيط الحضري المستدام، لتقدم للعالم نموذجاً متكاملاً لمدن المستقبل.
موقع استراتيجي وتأسيس مدروس
تقع شيونغآن في مقاطعة خبي على بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب غربي العاصمة بكين، وقد جرى الإعلان عن إنشائها في أبريل 2017 في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى تعزيز التنمية المنسقة بين بكين وتيانجين وخبي، إلى جانب استيعاب الوظائف غير المرتبطة بالدور الإداري للعاصمة التي يجري نقلها تدريجياً من بكين إلى المنطقة الجديدة.
مدينة ذكية تُدار بالبيانات والذكاء الاصطناعي
أصبحت شيونغآن نموذجاً رائداً في مجال الحوكمة الرقمية، حيث يضم مركز الحوسبة الحضرية لديها أكثر من 40 مليار سجل من البيانات عالية الجودة، بينما تمتد شبكة الطرق الذكية لأكثر من 500 كيلومتر، وتُوظَّف تقنيات الجيل الخامس في اختبارات المركبات المتصلة والذكية.
ويؤدي مركز الحوسبة الحضرية دور «العقل الرقمي» للمدينة، إذ يعرض بيانات آنية تتعلق بحركة المرور وشبكات المرافق والخدمات المختلفة، ويساعد على متابعة كفاءة التشغيل ورصد المشكلات المحتملة قبل وقوعها.
كما تمتلك المدينة نموذجاً رقمياً مطابقاً لكل مبنى من مبانيها، بينما جرى تزويد شبكات الأنابيب بأجهزة استشعار لمراقبة حالتها على مدار الساعة.
ويرتكز التخطيط العمراني في شيونغآن على ثلاثة مستويات متكاملة: المدينة الفعلية فوق سطح الأرض، والمدينة الرقمية في الفضاء الإلكتروني، وشبكة المرافق الممتدة تحت الأرض، حيث تمر خطوط المياه والكهرباء والغاز والتدفئة عبر أنفاق مخصصة تسهم في تنظيم البنية التحتية وتسهيل أعمال الصيانة.
وشهدت المدينة، الثلاثاء الماضي، التدشين الرسمي لمجموعة البيانات الوطنية الصينية، وهي شركة مملوكة للدولة تتبع الإدارة المركزية، تستهدف تعزيز خدمات البيانات وربط البنية التحتية الرقمية ودعم الابتكار التكنولوجي في هذا المجال الحيوي.
مساحات خضراء في قلب التخطيط الحضري
لا تقتصر رؤية شيونغآن على الجانب التكنولوجي، بل تضع البيئة وجودة الحياة في صدارة أولوياتها، إذ يستطيع السكان الوصول إلى حديقة في نطاق 300 متر سيراً على الأقدام، وإلى منطقة غابات في حدود ثلاثة كيلومترات.
ووفقاً للأرقام الواردة في التقرير، أنجزت المدينة تشجير مساحة جديدة تبلغ 484.5 ألف مو، أي ما يعادل نحو 32.3 ألف هكتار، لترتفع المساحة الخضراء الإجمالية إلى 744.5 ألف مو، ويصل نسبة الغطاء الحرجي إلى 35.2%.
كما تمثل المباني الخضراء 100% من المشروعات الجديدة وفقاً لمكتب التخطيط والبناء في شيونغآن، ويحقق بعضها مستويات منخفضة للغاية من استهلاك الطاقة.
ومنذ عام 2019، تنفذ المدينة جهوداً متكاملة لمعالجة مياه الصرف الصحي والمخلفات الصلبة ومخلفات دورات المياه في المناطق الريفية المحيطة ببحيرة باييانغديان، إحدى أبرز الأراضي الرطبة في شمال الصين، في إطار مساعي حماية البيئة وتعزيز التنمية المستدامة.
نقل المؤسسات من بكين إلى شيونغآن
بعد تسع سنوات من أعمال الإنشاء والتطوير، أصبحت شيونغآن مركزاً لاستقبال عدد من المؤسسات والوظائف غير المرتبطة مباشرة بالدور الإداري للعاصمة بكين، حيث بدأت مقرات رئيسية لشركات ومجموعات صينية كبرى العمل بالمدينة، من بينها مجموعة شبكة الأقمار الصناعية الصينية، وسينوكيم القابضة، ومجموعة هوا نينغ للطاقة، فيما اقترب الهيكل الرئيسي لمقر مجموعة الموارد المعدنية الصينية من الاكتمال.
وتشهد المدينة كذلك أعمال إنشاء لأربعة فروع جامعية وعدد من المستشفيات القادمة من بكين، من بينها جامعة بكين جياوتونغ ومستشفى الشعب التابع لجامعة بكين.
وحتى الآن، استقرت في شيونغآن أكثر من 400 شركة تابعة لمؤسسات مملوكة للدولة وتخضع مباشرة للإدارة المركزية، إلى جانب أكثر من 600 شركة تكنولوجية متقدمة.
شبكة مواصلات تعزز الربط الإقليمي
تستفيد شيونغآن من موقعها الجغرافي القريب من مطار بكين داشينغ الدولي، الذي يرتبط بها بطريق سريع مباشر افتُتح عام 2023، كما لا تستغرق الرحلة بالقطار فائق السرعة بينها وبين بكين سوى نحو 30 دقيقة.
وفي سبتمبر الماضي، افتتحت الصين مقطعاً جديداً للسكك الحديدية فائقة السرعة يربط شيونغآن بمدينة شانغتشيو في مقاطعة خنان بوسط البلاد، بما يسد فجوة في مسار الربط جنوباً، ويدعم تنقل العاملين وتبادل الأعمال والتعاون الصناعي بين المؤسسات والمناطق الواقعة على امتداد الخط.
منصة دولية لتبادل الخبرات في الحوكمة الحضرية
أكد لي هواشيا، رئيس مكتب الدعاية وشؤون الفضاء الإلكتروني والمعلومات في منطقة شيونغآن الجديدة، أن استضافة المنتدى توفر منصة مهمة لتبادل الأفكار بشأن إدارة المدن ومناقشة أحدث الرؤى مع العالم.
وتختبر المدينة، من خلال استضافة هذا الحدث الدولي، قدرتها على تقديم خبراتها في مجال الحوكمة الحضرية والتحول الأخضر والإدارة الرقمية، بالتزامن مع إبراز دورها في دعم التنمية المتكاملة لمنطقة بكين وتيانجين وخبي.
وبين البنية التحتية الذكية والتوسع في المساحات الخضراء واستقطاب المؤسسات التعليمية والصحية والتكنولوجية، تسعى شيونغآن إلى ترسيخ نموذج لمدينة مستقبلية تتداخل فيها التكنولوجيا مع التخطيط المستدام، في وقت تتجه فيه النقاشات العالمية إلى قضايا الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ والتجارة متعددة الأطراف ومستقبل المدن.

التعليقات