في لفتة إنسانية بالغة الدلالة تعكس أعمق معاني التضامن والأخوة الإنسانية، بعث قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، برقية تعزية رسمية إلى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، عبّر فيها عن خالص تعازيه وصادق مواساته في ضحايا الهجوم الإرهابي الغادر الذي استهدف كنيسة بلدة حمود بمحافظة الكرك جنوب المملكة الأردنية الهاشمية، مؤكداً وقوف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والمصريين جميعاً صفاً واحداً مع الشعب الأردني الشقيق في مواجهة قوى الظلام والتطرف والإرهاب.
الكرك… محافظة تضرب بجذورها في التاريخ
وتأتي هذه الحادثة الأليمة لتضرب مجدداً أحد أعرق المواقع الأردنية؛ إذ تُعد محافظة الكرك، التي تبعد نحو 120 كيلومتراً جنوب العاصمة عمّان، من أقدم المدن في المنطقة، وتشتهر بقلعتها الصليبية الشهيرة التي بناها رينو دي شاتيون عام 1142 ميلادية على أنقاض قلعة أقدم.
ويعيش في الكرك مزيج اجتماعي أصيل من المسلمين والمسيحيين يضرب بتعايشه المثل في الوحدة الوطنية، وتمثل كنيسة بلدة حمود رمزاً لهذا النسيج الاجتماعي المتماسك الذي يستهدفه الإرهاب لإحداث الفتنة وإشعال الفتنة الطائفية.
تضامن مصري واسع مع الأردن ضد الإرهاب
وأكد بابا الإسكندرية، خلال رسالته المؤثرة التي نقلتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أن مثل هذه الأعمال الإجرامية الجبانة التي تستهدف دور العبادة وتستبيح دماء الآمنين لن تنال من عزيمة واستقرار الشعوب العربية، داعياً المولى عز وجل أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته ومغفرته، وأن يلهم أسرهم وذويهم الصبر والسلوان، مع تمنياته بالشفاء العاجل لكافة المصابين جراء هذا الحادث الأليم الذي هزّ وجدان المجتمع العربي بأسره.
الدبلوماسية الروحية… سلاح في مواجهة التطرف
وقد أثارت هذه اللفتة الطيبة من البابا تواضروس تفاعلاً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية والشعبية، حيث تمثل تأكيداً جديداً على عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، ومدى التلاحم المستمر بين القيادات الروحية والسياسية في البلدين لمواجهة التحديات الأمنية والفكرية الراهنة، ونبذ كافة أشكال العنف والتطرف التي تتنافى مع تعاليم الأديان السماوية كافة.
ولم تكن هذه البرقية الأولى من نوعها؛ فقد دأبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على إرسال رسائل التعزية والتضامن إلى دول المنطقة عند وقوع حوادث إرهابية، في إطار دورها الوطني والروحي الذي يتجاوز حدود مصر ليشمل العالم العربي بأكمله.
وتُجسّد هذه المواقف المشتركة بين المؤسسات الدينية في مصر والأردن صورة حية للدبلوماسية الروحية التي باتت ركيزة أساسية في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف، خاصة في ظل ما تتعرض له المنطقة من تحديات أمنية متلاحقة.
ويؤكد المراقبون أن تضامن القيادة السياسية والشعبية في البلدين الشقيقين مع ضحايا الإرهاب يعكس قناعة راسخة بأن مواجهة التطرف تتطلب جهداً جماعياً عربياً ودولياً، لا سيما في ظل استهداف دور العبادة بوصفها مساحة جامعة تُصهر فيها الهويات وتُبنى فيها قيم التسامح والتعايش، وهو ما يجعل حماية هذه الدور واجباً وطنياً وأخلاقياً تتشارك فيه جميع المكونات.
رسائل دعم ومواساة لضحايا كنيسة بلدة حمود
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرسالة تأتي في هذا التوقيت لتؤكد مجدداً على أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، وأن استهداف المصلين الآمنين في بيوت العبادة جريمة تتجاوز حدود أي مبرر، وأن الشعوب العربية قادرة على تجاوز المحن بالتلاحم والتكاتف، كما تعكس الحرص المشترك للقيادات الدينية والسياسية في المنطقة على إدامة قنوات التواصل والتنسيق لمواجهة كل ما يهدد أمن المجتمعات واستقرارها.

التعليقات