التخطي إلى المحتوى

بقلم: ناصر السلاموني

منذ الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بغزو العراق للكويت ثم احتلال العراق وتدميره، وصولًا إلى الفتن التي أشعلتها واشنطن وتل أبيب تحت مسمّى “الربيع العربي”، عاشت المنطقة العربية سلسلة من الحروب والتدخلات التي أسهمت في تفكيك دول وإضعاف مؤسساتها وتغيير أنظمتها، بل وتدمير دول أخرى لاستنزاف خيراتها؛ من أجل تهيئة المجال لتوسيع النفوذ الإسرائيلي وتعزيز المصالح المرتبطة به.

وبعد ما لحق بالدول العربية من تشويه وتدمير، اتجهت الولايات المتحدة إلى مواجهة إيران، مستندة إلى مبررات اعترضت عليها أطراف دولية عديدة.

وهنا يطرح سؤال محوري: هل تتوقف آثار هذه الحرب عند حدود الشرق الأوسط، أم تمتد إلى الدول التي عارضت التصعيد العسكري أو رفضت المشاركة فيه، وإلى المجتمعات التي شهدت تحركات واسعة تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، فضلًا عن الدول التي يتزايد فيها الوجود الإسلامي؟.

حرب تتجاوز حدود الجغرافيا

لم تعد المواجهة مع إيران مجرد صراع عسكري محصور في الشرق الأوسط، بل تحوّلت إلى أزمة تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية والاقتصاد العالمي.

وتجد أوروبا نفسها أمام اختبار صعب لقدرتها على حماية مصالحها واستقلال قرارها، في وقت لم تتعافَ فيه بصورة كاملة من أزمات اقتصادية متلاحقة أثرت في مستويات المعيشة، ورفعت تكاليف الطاقة والغذاء، وزادت الضغوط على الحكومات والمواطنين.

وما نشهده اليوم في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال وألبانيا وإسبانيا من احتجاجات وتحركات شعبية مرتبطة بقضايا المعيشة والسكن والقدرة الشرائية والخدمات العامة — مع اختلاف أسبابها المباشرة وطبيعتها من دولة إلى أخرى — يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المجتمعات الأوروبية، ويطرح تساؤلًا حول قدرة الحكومات على حماية مواطنيها من تداعيات الأزمات الدولية، ومدى تأثير السياسات الأمريكية والصراعات الدولية في الأوضاع الاقتصادية والسياسية داخل أوروبا.

ثلاثية الأزمات: كورونا والحرب الأوكرانية وإيران

لفهم ما تواجهه أوروبا اليوم، ينبغي العودة إلى الوراء قليلًا؛ حيث جائحة كورونا التي بدأت عام 2020 وأحدثت اضطرابًا واسعًا في الاقتصاد العالمي نتيجة الإغلاق وتعطل المصانع والموانئ واضطراب سلاسل الإمداد، مما أدى إلى نقص بعض السلع وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.

ومع عودة النشاط الاقتصادي، واجهت الدول تحديات تتعلق باستعادة مستويات الإنتاج ومعالجة الاختلالات في سلاسل التوريد، فيما استمرت آثارها في التداخل مع عوامل اقتصادية وتجارية أخرى أسهمت في ارتفاع الأسعار.

ولا تزال كورونا موضع نقاش وتحقيق دولي؛ فقد تناول تقرير اللجنة الفرعية المختارة بمجلس النواب الأمريكي، الصادر في ديسمبر 2024، فرضية ارتباط منشأ الفيروس بمختبر في ووهان، كما شكّك آخرون في أن أبحاث فيروسات كورونا حظيت بتمويل أمريكي لبعض الأبحاث ذات الصلة.

ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتضيف أعباء جديدة إلى الاقتصاد الأوروبي، إذ تسببت في اضطرابات بأسواق الطاقة، وأثرت في صادرات الحبوب والأسمدة وتكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن اضطراب بعض مسارات التجارة والإمداد.

ولم تكن الحرب وحدها سبب موجة الغلاء، إذ تداخلت آثارها مع عوامل اقتصادية وتجارية أخرى، لكن تداعياتها زادت الأعباء على الأسر والمزارعين والشركات الأوروبية.

وهكذا وجدت أوروبا نفسها أمام أزمات متعاقبة: جائحة عطّلت الإنتاج والتجارة، ثم حرب في محيطها الأوروبي هزّت أسواق الطاقة والغذاء، ثم مواجهة عسكرية مع إيران تهدد بإضافة أعباء جديدة إلى اقتصاد لم يستعد توازنه بالكامل.

ويثير هذا التتابع سؤالًا جوهريًّا حول قدرة القارة على حماية اقتصادها من صدمات خارجية متلاحقة، في ظل اعتماد قطاعات واسعة من اقتصاداتها على التجارة الدولية واستقرار أسواق الطاقة.

مضيق هرمز وشريان الاقتصاد العالمي

وتزداد خطورة الحرب على إيران إذا طال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة مهمة من تجارة النفط العالمية وكميات من الغاز الطبيعي المسال؛ إذ يمر عبره ما يقارب خمس النفط المستهلك عالميًا، ويُعدّ الشريان الأهم لصادرات الطاقة من الخليج.

فأي تعطيل مستمر لحركة الشحن أو ارتفاع في تكاليف التأمين والنقل قد ينعكس على أسعار الطاقة والإنتاج في أوروبا وخارجها.

ولا تقف التداعيات عند الوقود، بل يمكن أن تمتد إلى المواد الخام والأسمدة والصناعات التي تعتمد على الطاقة، ثم تنتقل آثارها إلى المستهلك النهائي.

ولهذا فإن أوروبا ليست بعيدة عن الحرب، حتى إذا رفضت المشاركة العسكرية فيها؛ فالاقتصاد الأوروبي مرتبط بسلاسل إمداد عالمية تجعل الجغرافيا السياسية عاملًا مباشرًا في فاتورة الطاقة والغذاء.

تحفظات أوروبية وتباين في المواقف

لقد عبّرت حكومات أوروبية عن تحفظات على الانخراط في العمليات العسكرية ضد إيران، واختلفت مواقفها بشأن استخدام القواعد العسكرية وتقديم الدعم اللوجستي والمشاركة المباشرة.

وتعكس هذه المواقف تباينًا في تقدير الحكومات الأوروبية لمخاطر الانخراط العسكري، وللتداعيات التي قد تتحملها بلدانها إذا اتسعت المواجهة.

ولا ينفصل هذا المشهد عن الجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الهجرة والإسلام والمسلمين في أوروبا.

غير أن كل نقاش حول الهجرة أو الإسلام لا يحمل بالضرورة موقفًا عدائيًّا؛ فمن الضروري التمييز بين النقاش المشروع حول الهجرة والاندماج والأمن، وبين تعميم الاتهامات على المسلمين أو تصويرهم بوصفهم تهديدًا جماعيًّا.

فأوروبا ليست كتلة واحدة، والمسلمون فيها ليسوا جماعة متجانسة ذات موقف سياسي واحد، بل مواطنون ومقيمون ينتمون إلى خلفيات متعددة ويسهمون في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

وإذا تحولت الأزمات الاقتصادية إلى اتهامات جماعية للمهاجرين أو المسلمين، فقد ينصرف النقاش عن الأسباب الفعلية للغلاء وأوجه القصور في السياسات العامة، ويتحول إلى صراع اجتماعي يزيد الانقسام بدلًا من معالجة جذور المشكلة.

تحول أوروبي تجاه القضية الفلسطينية

وفي سياق متصل، لا يمكن تجاهل التحولات التي شهدتها المواقف الأوروبية من القضية الفلسطينية؛ فقد اعترفت دول أوروبية، من بينها المملكة المتحدة والبرتغال وفرنسا، بدولة فلسطين خلال عام 2025؛ إذ أعلنت المملكة المتحدة والبرتغال اعترافهما في 21 سبتمبر، ثم أعلنت فرنسا اعترافها في 22 سبتمبر من العام نفسه.

وجاءت هذه الخطوات في ظل تصاعد المطالبات السياسية والشعبية بإنهاء الحرب في غزة، وتأكيد الحقوق الفلسطينية، وإحياء مسار التسوية القائمة على حل الدولتين.

وكشفت هذه التطورات عن تباينات داخل المعسكر الغربي بشأن كيفية التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعن اتساع الفجوة بين مواقف بعض الحكومات الأوروبية والسياسة التي تتبناها واشنطن في الشرق الأوسط.

كما أظهرت الاحتجاجات والتظاهرات التضامنية مع فلسطين أن قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي لم تعد تتلقى السياسات الخارجية لحكوماتها دون نقاش أو اعتراض، بل باتت تطالب بمراجعة مواقفها تجاه الحرب، وحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي.

أسئلة المستقبل: استقلال القرار أم تراجع أمام الضغوط؟

فهل ستؤدي الخلافات الأوروبية الأمريكية حول فلسطين وإيران إلى إعادة تشكيل العلاقة بينهم؟ وهل تستطيع العواصم الأوروبية ترجمة مواقفها المعلنة إلى سياسة مستقلة، أم ستتراجع عندما تتعارض هذه المواقف مع الضغوط الاستراتيجية والاقتصادية؟

إن ما تواجهه أوروبا اليوم ليس مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل اختبار متراكم لقدرة الأنظمة السياسية على حماية مستويات المعيشة، وتأمين الطاقة والغذاء، وصون الخدمات العامة، والحفاظ على الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وهو أيضًا اختبار لقدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة عندما تتعارض الحسابات الأمريكية مع المصالح الأوروبية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *