التخطي إلى المحتوى

في زوايا كثير من البيوت تعيش بطلة خارقة، لكنها من لحم ودم؛ إنها الأم التي تحمل على عاتقها مسؤولية الجميع، فتدير شؤون البيت، وتواجه قسوة الحياة خارجه.

وبرغم شحّ الموارد وضيق ذات اليد وقلة الحيلة، تظل واقفة كالجبل، تدفع سفينة أسرتها إلى الأمام، وتبذل كل ما تستطيع لتصل بها إلى برّ الأمان.

لكن خلف هذا الصمود حكاية أخرى لا يراها أحد؛ حكاية امرأة تخفي آلامها الجسدية، وتكتم وجعها النفسي، وتواري تعبها خلف ابتسامة متعبة، كل ذلك كي ترى أسرتها مستقرة وأبناءها ناجحين.

لقد سعت طويلًا إلى حمايتهم من مشقات الحياة، لكنها في غمرة عطائها نسيت أن تحمي نفسها.

إن أصعب ما تعانيه هذه الأم ليس ضيق الإمكانات وحده، بل ذلك الحرمان الصامت الذي فرضته على نفسها من سنين طويلة.

فقد حرمت نفسها من أبسط مباهج الحياة، وتنازلت عن حقها في الاستقلالية والخصوصية، حتى لم يعد لها وقت خاص بها، ولا مساحة تستريح فيها بعيدًا عن الواجبات المتراكمة.

ومع مرور السنوات وتوالي العطاء بلا حدود، بدأ الجسد يئنّ تحت وطأة التعب، وبدأت الروح تتوق إلى شيء من الراحة والاهتمام.

والمأساة الحقيقية كانت في أن يتحول عطاؤها المستمر إلى أمر مسلّم به، وأن يعتاد المحيطون بها على وجودها الدائم إلى درجة ينسون معها أنها إنسانة مثلهم؛ تتعب وتمرض وتضعف، وتحتاج إلى من يساندها ويحتويها.

إذ يمنح الآخرون لأنفسهم الحق في الشكوى والراحة، بينما تظل هي مطالبة بالصبر والتحمل، وكأن التعب لا يعرف طريقًا إليها، وكأن احتياجاتها تأتي دائمًا في آخر القائمة.

من يسأل هذه الأم: ماذا تحتاجين؟ ومتى كانت آخر مرة ارتحتِ فيها حقًا؟ من يلتفت إلى وجعها قبل أن تضطر إلى إعلانه؟ ومن يكون لها السند حين تعجز عن مواصلة حمل الأعباء وحدها؟

ومع تقدّم العمر وتراكم سنوات المسؤولية، قد تبدأ هذه الحصون التي بدت منيعة في الانهيار من الداخل؛ لأن الجسد الذي طالما تحمّل لا يمكن أن يبقى قويًا إلى الأبد، والنفس التي اعتادت على كتمان الألم ليست بمنأى عن الإنهاك.

وحين تصل الأم إلى هذه المرحلة، لا يكفي أن نثني على صبرها أو نشيد بتضحياتها، بل يجب أن نترجم محبتنا لها إلى أفعال حقيقية.

وقد حذّرت دراسات نفسية متعددة من ظاهرة تُعرف بـ«الإنهاك الأسري» أو «احتراق مقدّم الرعاية»، وهي حالة تصيب الأمهات اللواتي يحملن أعباءً تفوق طاقتهن دون الحصول على دعم كافٍ.

من أبرز أعراضها: اضطرابات النوم، والشعور الدائم بالإجهاد، والعزلة الاجتماعية، وفقدان الاهتمام بالأنشطة الممتعة، وقد تصل إلى الإصابة بالاكتئاب وأمراض القلب والضغط والسكري نتيجة الإجهاد المزمن.

وتشير التوصيات الطبية إلى أن حصول الأم على ساعات نوم كافية، وممارسة نشاط بدني منتظم ولو لعشرين دقيقة يوميًا، وتخصيص وقت أسبوعي للراحة النفسية، من أهم عوامل الوقاية من هذا الاحتراق.

كما يؤكد خبراء العلاقات الأسرية أن توزيع المسؤوليات المنزلية بشكل عادل بين أفراد الأسرة، وإشراك الأبناء في الأعمال المنزلية منذ الصغر، يخفف العبء عن الأم ويعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء.

ومن الممارسات العملية التي أثبتت جدواها: تحديد يوم أسبوعي تتولى فيه الأسرة كاملة إنجاز المهام بدلًا من الأم، والاستماع الفعّال إلى مشاعرها دون تقليل من شأنها، وتشجيعها على ممارسة هواية أو نشاط خاص بها بعيدًا عن واجبات المنزل، واحترام مساحتها الشخصية ووقتها الخاص.

إنها دعوة إلى الأبناء والأسر جميعًا: التفتوا لأمهاتكم قبل فوات الأوان، ولا تنتظروا أن ينهك المرض أجسادهن أو يستنزف التعب أرواحهن حتى تدركوا حجم ما قدّمنه لكم.

فالأم لا تحتاج إلى كلمات الامتنان وحدها، بل تحتاج إلى من يخفف عنها ويشاركها المسؤوليات، ومن يحترم خصوصيتها ويمنحها حقها في الراحة والاهتمام والحياة.

الأسرة الناجحة لا تُبنى على حساب صحة الأم، ولا ينبغي أن يكون ثمن استقرارها إنهاك الأم التي تحمل أعباءها.

من حق هذه الأم بعد سنوات العطاء أن تجد من يرعاها كما رعت، ويساندها كما ساندت، ويمنحها بعضًا من الراحة التي لطالما أجّلتها من أجل الآخرين.

أنقذوا قبطان السفينة؛ فليس عدلًا أن ينشغل الجميع بالوصول إلى برّ الأمان وينسوا من أمضت عمرها تقود السفينة إليه.

المطلوب قليل من التقدير، وكثير من المشاركة، وشيء من الرحمة والاهتمام، فهذا قد يصنع فرقًا كبيرًا في حياة الأم التي لا تطلب الكثير، والتي اعتادت أن تمنح الجميع كل شيء وتحتفظ بتعبها لنفسها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *