مقدمة: تصعيد دبلوماسي جديد في ملف شرق المتوسط
في تطور سياسي لافت يعكس حجم التوترات في ساحة الدبلوماسية الإقليمية، أعلنت جمهورية مصر العربية عن موقف رافض وحاسم للخطوة التي أقدم عليها مجلس النواب الليبي، والمتمثلة في التصديق على مذكرة التفاهم المثيرة للجدل الخاصة بتحديد مجالات الصلاحية البحرية، التي كانت قد وُقّعت بين حكومة طرابلس السابقة وأنقرة في عام 2019.
هذا التصديق البرلماني أعاد فتح ملفاً ظل يشكل نقطة خلاف حادة بين دول المنطقة لسنوات، وأثار تساؤلات واسعة حول تداعياته القانونية والسياسية على مستقبل ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط.
الموقف المصري: رفض لا يرقى إليه الشك تجاه أمن المتوسط
أكدت الدوائر السياسية المصرية أن هذه الخطوة البرلمانية الليبية لا تكتسب أي صفة شرعية أو قانونية من شأنها أن تؤثر على الحقوق السيادية لمصر في منطقة شرق المتوسط.
وتستند القاهرة في موقفها إلى مبدأ أساسي في القانون الدولي، وهو أن المعاهدات والاتفاقيات لا تُنشئ حقوقاً لطرف ثالث دون موافقته، وأن التصديق البرلماني المنفرد لا يمكن أن يغيّر من مركز قانوني قائم أو يمس بحقوق دول الجوار.
وتأتي هذه التطورات لتلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي المتعثر، في وقت تؤكد فيه القاهرة باستمرار على ضرورة الالتزام بالاتفاقيات الدولية وقواعد قانون البحار، وعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية الجانب من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي أو الإضرار بمصالح دول الجوار.
ويشير المراقبون إلى أن الموقف المصري ليس جديداً، بل يمثل امتداداً لموقف ثابت تم التعبير عنه منذ لحظة توقيع المذكرة عام 2019، حيث اعتبرت القاهرة تلك الاتفاقية باطلة ولاغية ولا أثر قانوني لها، لأنها صدرت عن جهة لا تملك صفة تمثيل الدولة الليبية بأكملها، ولأنها تضرب بعرض الحائط بمصالح دول الجوار وحقوقها المشروعة في المياه الاقتصادية الخالصة.
خلفيات اتفاقية 2019 وردود الفعل الإقليمية والدولية
تعود جذور الأزمة إلى مذكرة التفاهم الأمنية والبحرية التي وقّعتها حكومة الوفاق الوطني السابقة برئاسة فائز السراج مع الجانب التركي في السابع والعشرين من نوفمبر عام 2019.
وقد قوبلت تلك المذكرة منذ لحظتها الأولى برفض إقليمي ودولي واسع، لاسيما من مصر واليونان وقبرص، باعتبارها تنتهك المياه الإقليمية وتخالف القوانين الدولية المنظمة لترسيم الحدود البحرية، وتتجاهل الجغرافيا الحقيقية لخطوط الأساس الساحلية للجزر اليونانية، وهو ما يمنح تركيا مناطق بحرية واسعة في المتوسط على حساب جيرانها.
وقد شكّلت تلك المذكرة العمود الفقري للاستراتيجية التركية في شرق المتوسط، إذ استندت إليها أنقرة في أنشطة التنقيب عن الغاز في مناطق متنازع عليها، مما أدى إلى توترات متصاعدة مع اليونان وقبرص ودفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على شركات تركية.
وفي المقابل، عززت مصر واليونان وقبرص تعاونهما الثلاثي عبر آلية قمة شرق المتوسط ومنتدى غاز شرق المتوسط، ووقعت القاهرة اتفاقية ترسيم حدودها البحرية مع اليونان في أغسطس 2020، والتي اعتُبرت رداً مباشراً على المذكرة التركية الليبية.
البُعد القانوني: هل يمنح التصديق البرلماني شرعية للمذكرة؟
يثير التصديق البرلماني الليبي على المذكرة جدلاً قانونياً عميقاً.
فمن منظور القانون الدولي، تظل الاتفاقية الدولية ملزمة فقط لأطرافها، ولا يمكنها أن تُنشئ التزامات على دول ثالثة دون موافقتها الصريحة، وفقاً لمبدأ «العقد لا يضر الغير» (Pacta tertiis nec nocent nec prosunt).
وبالتالي، فإن أي تصديق برلماني لاحق لا يغيّر من حقيقة أن المذكرة تمس حقوق مصر واليونان وقبرص في المياه الاقتصادية الخالصة دون موافقتها.
كما يرى خبراء القانون الدولي أن صفة الجهة الموقعة على المذكرة تُعد نقطة جوهرية، فحكومة الوفاق الوطني لم تكن تمثل كل الأراضي الليبية، بل كانت أحد أطراف الصراع الداخلي، وهو ما يضعف حجة إلزامية المذكرة حتى على الصعيد الليبي الداخلي.
ويضاف إلى ذلك أن المذكرة لم تحظَ بأي اعتراف من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، مما يفقدها وزنها القانوني الدولي.
الأبعاد الاستراتيجية: الغاز والحدود ومستقبل شرق المتوسط
لا تقتصر أزمة المذكرة على الجانب القانوني، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية.
فمنطقة شرق المتوسط تحتضن احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، من بينها حقل ظهر المصري، وحقلي أفروديت وليفياثان، وحقل كاليبسو قبالة قبرص، بالإضافة إلى احتمالات واعدة في المياه الاقتصادية الليبية.
ويمثل ترسيم الحدود البحرية العادلة مفتاحاً للاستفادة من هذه الثروات وتطوير مشاريع التصدير إلى أوروبا، في وقت تسعى فيه بروكسل إلى تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن روسيا.
ومن هذا المنطلق، تثبت الدبلوماسية المصرية ثبات مواقفها وحرصها الدائم على حماية أمنها القومي، والحفاظ على استثمارات الغاز، وضمان الترسيم العادل للحدود في البحر المتوسط الذي يُعد شرياناً حيوياً للأمن القومي المصري.
كما تُمثل هذه القضية اختباراً حقيقياً لقدرة الدول الإقليمية على التمسك بمبادئ القانون الدولي في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع.
تداعيات التصديق على المشهد الليبي الداخلي
على الصعيد الليبي الداخلي، يثير التصديق البرلماني على المذكرة انقساماً واضحاً.
فمجلس النواب في طبرق، الذي يُعد أحد أبرز الأطراف السياسية في البلاد، يجد نفسه في مواجهة حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي لم تُبدِ حماساً كبيراً للخطوة.
ويخشى مراقبون أن يُستخدم هذا الملف كورقة ضغط في مفاوضات تشكيل الحكومة الليبية الموحدة والانتخابات المؤجلة، مما قد يزيد من تعقيد المشهد السياسي المتعثر أصلاً.
كما أن هذه الخطوة قد تُعقّد مسار المصالحة الوطنية الليبية وتضعف الثقة بين الأطراف الداخلية، في وقت تحتاج فيه ليبيا إلى توافق داخلي لتجاوز أزماتها السياسية والأمنية والاقتصادية المتراكمة.
السيناريوهات المحتملة والخطوات القادمة
تتعدد السيناريوهات المحتملة أمام هذا التطور.
ففي السيناريو الأول، قد يُترجم الرفض المصري إلى تحركات دبلوماسية مكثفة، من بينها التنسيق مع اليونان وقبرص داخل الاتحاد الأوروبي لدفع بروكسل إلى اتخاذ موقف موحد، والتحرك في المحافل الدولية لتأكيد عدم الاعتراف بالمذكرة.
وفي السيناريو الثاني، قد تلجأ القاهرة إلى تعزيز وجودها البحري في شرق المتوسط كرسالة ردع استراتيجية.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فمن المرجح أن تتواصل المساعي لدفع أنقرة وطرابلس نحو الحوار وتعديل المذكرة بما يتوافق مع القانون الدولي ومصالح دول الجوار، خصوصاً أن العلاقات التركية المصرية شهدت تقارباً نسبياً في السنوات الأخيرة، وهو ما قد يفتح مجالاً لتسوية تفاوضية تحفظ مصالح جميع الأطراف.
خاتمة
في المحصلة، يُمثل الرفض المصري للتصديق البرلماني الليبي على الاتفاقية البحرية مع تركيا حلقة جديدة في مسلسل طويل من التوترات حول شرق المتوسط.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء هذا التصعيد، أم أن المنطقة مقبلة على جولة جديدة من الاستقطاب والتحديات الأمنية؟ ما هو مؤكد أن مصر تعتبر أمن المتوسط وحقوقها السيادية خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن أي ترتيبات إقليمية مقبلة يجب أن تحترم القانون الدولي ومصالح جميع دول الجوار.

التعليقات