التخطي إلى المحتوى

زيارة ميدانية مفاجئة في قلب موقع الضبعة النووي

في خطوة تعكس حجم الاهتمام الحكومي والمتابعة اليومية للمشروعات القومية الكبرى، قام رئيس مجلس إدارة هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء بجولة تفقدية ميدانية موسعة وغير معلنة مسبقًا داخل موقع محطة الضبعة النووية على ساحل البحر المتوسط.

وهدفت الزيارة إلى الوقوف على سير العمل في الموقع مباشرة، ومعاينة أعمال التركيب الجارية للمعدات الرئيسية، والاطمئنان على التزام الشركات المنفذة بالجداول الزمنية المحددة.

ماذا شملت الجولة التفقدية؟

تنقّل رئيس الهيئة بين مختلف قطاعات الموقع، بدءًا من مناطق أعمال الخرسانة الإنشائية للمفاعلات، ومرورًا بمناطق تخزين وتركيب المعدات الثقيلة، وصولًا إلى وحدات التحكم ومحطات الخدمات المساندة.

وشملت المتابعة ثلاث محاور رئيسية:.

  • الأعمال المدنية: معاينة معدلات صب الخرسانة في الجدران الاحتواء الداخلية والخارجية للوحدات الأربع، ومتابعة أعمال البنية التحتية ومحطات الكهرباء الاحتياطية.
  • الأعمال الميكانيكية والتركيبات: التفقد المباشر لأعمال تركيب الأوعية المعدنية ومولدات البخار والمبادلات الحرارية، وهي من أدق مراحل التنفيذ في محطات الماء المضغوط.
  • معايير الأمان والجودة: المرور على أنظمة التدقيق والرقابة، والتأكد من مطابقة كل مرحلة إنشائية للمعايير التي تحددها الوكالة الدولية للطاقة الذرية وشركة «روس آتوم» الروسية المطورة للمشروع.

مشروع الضبعة: الأرقام والمكونات الأساسية

يتكوّن المشروع من أربع وحدات نووية من طراز مفاعلات الماء المضغوط VVER-1200 من الجيل الثالث المطوّر (AES-2006)، بقدرة 1200 ميجاوات لكل وحدة، ليبلغ إجمالي القدرة الإنتاجية 4800 ميجاوات عند التشغيل الكامل، أي ما يعادل نحو ثلث القدرات الحالية للشبكة الكهربائية المصرية تقريبًا.

ويُقدَّر إجمالي الاستثمار في المشروع بنحو 28.5 إلى 30 مليار دولار، في حين تمتد مساحة الموقع إلى ما يقارب 40 كيلومترًا مربعًا في محافظة مطروح، وتتبع الإشراف التنظيمي هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية.

محطات زمنية بارزة على مسار التنفيذ

انطلقت الأعمال الإنشائية في موقع الضبعة عام 2022 بتوقيع بدء التنفيذ للوحدة الأولى في يوليو، ثم توالت خطوات الإنجاز تباعًا:

  • توقيع عقود الوحدتين الثالثة والرابعة أوائل 2022، وبدء التنفيذ الفعلي للوحدة الثانية في نفس العام.
  • الحصول على رخصة البناء للوحدة الرابعة في أغسطس 2023، ليصبح الموقع مشروعًا متكاملًا من أربع وحدات.
  • تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى، ثم استكمال طبقات الجدار الاحتواء الداخلي بالتتابع.
  • بدء أعمال تركيب أول مولد بخار في الوحدة الأولى في أكتوبر 2026، وهي خطوة تُعدّ من أبرز مؤشرات الانتقال من البناء العام إلى التركيبات التخصصية.
  • توقيع أمر شراء الوقود النووي، بالتزامن مع الاستعدادات اللوجستية لاستقباله.

الجدول الزمني: متى يبدأ تشغيل أول مفاعل؟

تستهدف مصر إدخال الوقود النووي في المفاعل الأول خلال النصف الأول من عام 2027، تليها مرحلة تجارب التشغيل البارد ثم التشغيل الفعلي مع نهاية 2027 أو مطلع 2028، ثم الربط بالشبكة الكهربائية الموحدة.

وتتوالى بعد ذلك الوحدات الثانية والثالثة والرابعة على فترات متقاربة، بحيث يكتمل المشروع بكامل طاقته قبل نهاية العقد الحالي وفق الخطة المعدلة.

لماذا يُعدّ الضبعة ركيزة استراتيجية لمصر؟

لا تقتصر أهمية المشروع على توليد الكهرباء فحسب، بل يمتد أثرها إلى عدة مستويات:

  • تنويع مصادر الطاقة: إضافة مصدر مستقر ومنخفض الانبعاثات يساهم في خفض الاعتماد على الغاز الطبيعي وتحرير كميات منه للتصدير.
  • عائد اقتصادي صناعي: إنشاء صناعات محلية مغذية، مثلما تقوم به شركة «بتروجت» من تصنيع مكونات معدنية للمفاعل داخل مصر، إلى جانب نقل المعرفة وتدريب آلاف الكوادر المصرية على التشغيل النووي.
  • الأمن القومي للطاقة: تشغيل محطة قاعدية لا تتأثر بتقلبات الأسعار العالمية أو أحوال الطقس يعزز استقرار الشبكة الكهربائية.
  • البُعد التنموي الإقليمي: خلق فرص عمل وحركة اقتصادية في مطروح والساحل الشمالي، ودعم خطط التوسع السياحي والمدن الجديدة.

الخلاصة

تعكس الزيارة الميدانية المتكررة لمشروع الضبعة أن الدولة تتعامل معه بوصفه أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، فالمشروع الذي ظل حلماً لعقود بات اليوم واقعًا تنفيذيًا يخضع للمتابعة اليومية، مع اقتراب موعد إدخال الوقود النووي في المفاعل الأول.

ومع اكتمال الوحدات الأربع، ستضع مصر نفسها في مقدمة دول الشرق الأوسط في مجال الطاقة النووية السلمية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *