التخطي إلى المحتوى

في تطور سياسي وعسكري لافت يحبس أنفاس المراقبين، أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات نارية حول الأزمة المتصاعدة مع طهران، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية تمتلك القدرة الكاملة على إنهاء العمليات العسكرية والمواجهة المحتدمة مع الجانب الإيراني في أي توقيت تراه مناسباً، دون قيود أو عوائق استراتيجية تعرقل هذا القرار.

القضاء على القدرات النووية الإيرانية

وفي سياق حديثه المكثف عن تفاصيل المشهد الإقليمي، شدد ترامب على أن التهديد الأبرز المتمثل في سعي طهران لامتلاك أسلحة دمار شامل قد تم التعامل معه بحزم، مُعلناً بصورة قاطعة أن قدرة النظام الإيراني على تطوير أو حيازة ترسانة نووية قد جرى القضاء عليها تماماً، وهو ما يغير قواعد اللعبة السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه التصريحات تندرج ضمن سياق أوسع من الضغوط المتصاعدة التي مارستها واشنطن على طهران خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية المشددة على قطاع النفط الإيراني، والانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لعام 2015، والعودة إلى سياسة “الضغط الأقصى”.

وقد اعتبر مراقبون أن الإعلان عن “إنهاء” القدرات النووية الإيرانية يمثل رسالة مزدوجة: رسالة ردع موجهة إلى طهران، ورسالة طمأنة موجهة إلى الحلفاء الإقليميين في الخليج وإسرائيل الذين يخشون من سباق تسلح نووي في المنطقة.

خلفية البرنامج النووي الإيراني وتطوراته

لم يأت هذا التطور من فراغ، فقد شهد البرنامج النووي الإيراني محطات مفصلية تتطلب قراءة دقيقة لفهم السياق الكامل.

فبعد انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2018، بدأت إيران تدريجياً بتجاوز الحدود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، حيث وصلت نسب التخصيب في منشآت مثل نطنز وفوردو إلى مستويات تقترب من 60%، وهي نسبة تقترب كثيراً من العتبة اللازمة لتصنيع سلاح نووي والتي تُقدر بـ90%.

كما أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقارير متتالية عن تراجع في مستوى التعاون الإيراني مع مفتشيها، وقيام إيران بإزالة كاميرات المراقبة من بعض المنشآت النووية.

في هذا الإطار، يرى خبراء الحد من التسلح أن التأكيد الأمريكي على “القضاء” على القدرات النووية يستدعي توضيحاً تقنياً حول ما إذا كان المقصود هو تدمير البنية التحتية النووية المادية، أم تفكيك القدرات المعرفية والتقنية، أم مجرد تعطيل مؤقت لمسار التخصيب.

إذ تشير تجارب سابقة، مثل الضربة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي في أوسيراك عام 1981، والضربة على المنشأة النووية السورية في دير الزور عام 2007، إلى أن استهداف المنشآت لا يعني بالضرورة إنهاء المعرفة النووية، بل قد يدفع البرامج إلى العمل السري.

ردود الفعل الإيرانية المحتملة وخيارات طهران

من المتوقع أن تتباين ردود الفعل الإيرانية بين التهديد بالرد العسكري المباشر، واللجوء إلى حرب الظل عبر وكلائها في المنطقة، أو اللجوء إلى المسارات الدبلوماسية عبر وسطاء إقليميين كسلطنة عُمان وقطر.

وتاريخياً، اعتمدت طهران استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” في مواجهة الضغوط، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط تشمل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى القدرات الصاروخية الباليستية وطائراتها المسيرة التي أثبتت فعاليتها في صراعات إقليمية عدة.

كما أن أي تصعيد عسكري مباشر قد يدفع إيران إلى تسريع أنشطتها النووية بدلاً من إيقافها، وهي مفارقة أشار إليها عدد من الدبلوماسيين السابقين الذين حذروا من أن الخطاب التصعيدياي قد يعزز موقف التيارات المتشددة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية على حساب التيارات البراغماتية.

تداعيات التصريحات على الاستقرار الإقليمي

وتأتي هذه التطورات لتفتح باب التكهنات على مصراعيه حول مستقبل الأوضاع الأمنية في المنطقة، وسط ترقب بالغ من الدوائر الدبلوماسية العالمية لما سأسفر عنه الساعات القادمة من ردود أفعال رسمية من جانب طهران، وكيف ستنعكس هذه التفاهمات أو التهديدات المتبادلة على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية والاستقرار الدولي.

فعلى صعيد أسواق الطاقة، يرتبط أي توتر في الخليج ارتباطاً وثيقاً بأسعار النفط العالمية، إذ تشير تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن كل تهديد بغلق مضيق هرمز يرفع علاوة المخاطر على أسعار خام برنت بما يتراوح بين 5 و15 دولاراً للبرميل، مما ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والشحن والتضخم العالمي.

كما ستتأثر حركة الملاحة التجارية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، خاصة مع استمرار الهجمات على السفن التي أثرت سلباً على سلاسل الإمداد العالمية.

أما على المستوى الدبلوماسي، فإن هذه التصريحات قد تعيد ترتيب التحالفات الإقليمية، إذ تسعى دول الخليج إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة قد تضر بمصالحها الاقتصادية، في وقت تواصل فيه كل من السعودية والإمارات مسار التطبيع الدبلوماسي مع طهران بعد استئناف العلاقات بين الرياض وطهران بوساطة صينية عام 2023.

وفي المحصلة، يبدو المشهد الإيراني الأمريكي عند مفترق طرق حساس، حيث تتقاطع فيه لغة القوة مع حسابات المصالح، وتبقى الكرة في ملعب الدبلوماسية أو التصعيد، بينما يترقب العالم رد طهران الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *