الهوية الوطنية بين مطرقة التحديات المعاصرة وسندان طمس الوعي
في ظل تسارع التحولات الإقليمية والدولية، وتنامي الأدوات الرقمية التي تستهدف عقول الشباب ومساعي محو الهوية الثقافية والتاريخية للدول، بات ملف الوعي بالهوية الوطنية محوراً مركزياً في معادلة الأمن القومي.
وفي هذا الإطار، أكد المفكر وأستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية الدكتور إبراهيم العسال على حقيقة بالغة الأهمية، مفادها أن الوعي الحقيقي بالهوية لم يعد ترفاً فكرياً أو نقاشاً نخبوياً، بل أصبح ركيزة أساسية لا غنى عنها لترسيخ دعائم الأمن القومي المصري في العصر الحديث.
الجذور التاريخية.
مناعة طبيعية ضد التغريب.
أوضح الدكتور إبراهيم العسال في تصريحات مفصلة أن الجذور التاريخية العميقة للشعب المصري، الممتدة عبر آلاف السنين وعبور الحضارات الفرعونية والقبطية والإسلامية، تمنحه مناعة طبيعية ضد محاولات التغريب والتشويه الفكري.
وأشار إلى أن بناء مستقبل أفضل للوطن يبدأ حتماً من استعادة قراءة التاريخ برؤية واعية ومستنيرة تدرك التحديات الراهنة، لافتاً إلى أن الأمم التي تفتقر إلى الوعي بهويتها تفقد بالضرورة بوصلة التوجيه الصحيح نحو التنمية والتقدم الشامل، وتصبح أكثر عرضة للاستقطاب والاختراق الثقافي.
وشدد العسال على أن التاريخ ليس مجرد سرد للماضي، بل هو مادة خصبة لصناعة الوعي الجماعي، إذ يستمد منه الشباب قيم الانتماء والتضحية وقدرة الدولة على تجاوز الأزمات عبر مراحل مختلفة من عمرها الوطني.
حروب الجيل الرابع.
معركة العقول قبل الأرض.
وتطرق أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية إلى أن التحديات المعاصرة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى ما يُعرف بحروب الجيل الرابع التي تستهدف الوعي الجماعي عبر منصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي غير المنضبط.
وفي هذا السياق، يصبح تحصين عقول النشء ضد الأفكار الهدامة والمستوردة هو الاستثمار الحقيقي الأضمن لضمان استقرار الدولة المصرية.
وأضاف أن مواجهة هذه الحرب الفكرية تتطلب جهداً متواصلاً لتفكيك الشائعات والأخبار المفبركة، وتقديم محتوى وطني جاذب يخاطب لغة العصر ويستوعب اهتمامات الأجيال الجديدة بدلاً من الاكتفاء بالخطاب التقليدي.
دور المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية في صناعة الوعي
وفي سياق متصل، شدد الدكتور إبراهيم العسال على ضرورة تضافر جهود كافة مؤسسات الدولة، وخاصة التعليمية والثقافية والإعلامية، لصياغة استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى غرس القيم التاريخية الأصيلة في نفوس الأجيال الناشئة.
واقترح أن تشمل هذه الاستراتيجية تحديث المناهج الدراسية بما يعزز قيم المواطنة والانتماء، وتنظيم أنشطة ثقافية وفنية تلامس هموم الشباب، وإنتاج أعمال درامية ووثائقية تروي أمجاد الوطن بلغة معاصرة.
كما أكد أن الأسرة تعد الشريك الأول للمؤسسات الرسمية في هذه المعركة، بوصفها أول نقطة تشكيل للوجدان الوطني لدى الطفل، ما يجعل التعاون بين البيت والمدرسة والإعلام ضرورة لا تقبل التأجيل.
نحو جمهورية جديدة تعتز بماضيها وتنطلق نحو مستقبلها
وخلص المفكر وأستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية إلى أن بناء الجمهورية الجديدة على أسس صلبة يتطلب وعياً جماعياً يعتز بالماضي وينطلق بثقة نحو المستقبل، مؤكداً أن الهوية الوطنية ليست مجرد شعارات تُردد، بل منظومة قيم وسلوكيات وممارسات يومية ترسخ دعائم الأمن القومي المصري في مواجهة كل التحديات المعاصرة.

التعليقات