التخطي إلى المحتوى

في تطور قد يُعيد رسم ملامح مستقبل الطاقة في لبنان، برزت مؤشرات قوية على مشروع قطري واسع النطاق يهدف إلى معالجة واحدة من أعمق الأزمات التي يعيشها اللبنانيون منذ سنوات، ألا وهي انقطاع التيار الكهربائي الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية للملايين.

فبعد أعوام من الاعتماد على مولدات اشتراكية مكلفة وكميات محدودة من التغذية العمومية، قد يحمل المشروع القطري المرتقب حلاً هيكلياً طويل الأمد بدلاً من الحلول المؤقتة.

محطتان جديدتان خلال ثلاث سنوات

تشير المعلومات الصحفية إلى أن الخطة القطرية تتضمن بناء محطتين جديدتين لتوليد الكهرباء على الأراضي اللبنانية، مع استهداف إنجازهما وتشغيلهما بشكل كامل خلال السنوات الثلاث المقبلة.

ومن شأن هذه الخطوة أن تضيف قدرة إنتاجية جديدة إلى منظومة تعاني من تهالك البنية التحتية وقلة الصيانة، إذ لا تتجاوز قدرة الإنتاج الفعلية في لبنان جزءاً صغيراً من القدرة المركبة تاريخياً.

وتكتسب المحطتان أهمية مضاعفة لأنهما تعتمدان على الغاز الطبيعي، وهو وقود أقل كلفة وأقل تلويثاً من الوقود الثقيل والديزل، ما يفتح الباب أمام خفض كلفة الإنتاج وتحسين الكفاءة التشغيلية وتقليص انبعاثات الكربون في آن واحد.

عقد غاز مسال يمتد لعقدين

لا يقتصر المشروع على المباني والمعدات، بل يمتد إلى شق استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في اتفاقيات طويلة الأمد لتوريد الغاز الطبيعي المسال تمتد لعشرين عاماً.

ويُفترض أن يضمن هذا العقد استمرارية تشغيل المحطات بكفاءة عالية، ويضع حداً للانقطاعات الناتجة عن نقص الوقود، خصوصاً بعد تجارب سابقة شهدت توقف معامل الإنتاج بسبب عدم توفر المازوت أو تأخر وصول البواخر.

ويعكس هذا البُعد الزمني الطويل ثقة في استقرار الطلب اللبناني على الطاقة، ويوفر بيئة استثمارية أكثر وضوحاً للمستثمرين والممولين، بدلاً من الحلول الظرفية التي اعتمدت على منح وقودية محدودة أو عقود قصيرة الأجل.

أبعاد اقتصادية وسياسية تتجاوز الكهرباء

حسب المعطيات المتداولة، يحمل المشروع دلالات تتجاوز قطاع الطاقة، إذ يُنظر إليه كمدخل لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد اللبناني، ودعم قطاعات الإنتاج والخدمات التي تضررت بفعل انقطاع الكهرباء، من المستشفيات والمخابز إلى المصانع والمؤسسات التعليمية.

كما قد يسهم في تقليص الإنفاق على المولدات الخاصة الذي يثقل ميزانيات الأسر والشركات.

ويبقى التحدي الأكبر في الجانب التنفيذي: من إقرار الأطر التعاقدية والتشريعية، إلى إنجاز البنية التحتية اللازمة لاستقبال الغاز المسال، وضمان استدامة التمويل والشفافية في إدارة القطاع، وهي ملفات طالما أعاقت مشاريع الطاقة السابقة في لبنان.

بارقة أمل في انتظار التنفيذ

وسط التحديات الاقتصادية الجسيمة، يمثل المشروع القطري بارقة أمل للشارع اللبناني، لكنه يبقى رهناً بالإعلان الرسمي عن توقيع العقود وبدء التنفيذ على الأرض.

وفي حال تحقق ذلك، قد يتحول لبنان من بلد يعيش على وقع الظلام إلى نموذج للتعاون الإقليمي في قطاع الطاقة، مع ما يعنيه ذلك من أثر مباشر على حياة الملايين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *