في تطور نوعي يعكس إصرار الدولة المصرية على إصلاح جذري للمنظومة التعليمية، كشف محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، عن خارطة طريق زمنية محددة تنتهي بإنهاء العمل بنظام الفترة المسائية «الدوام المزدوج» في المدارس الحكومية على مستوى الجمهورية.
وتستهدف هذه الخطوة معالجة واحدة من أقدم وأكثر المشكلات إلحاحاً التي أثقلت كاهل الأسر المصرية وأرهقت البنية التحتية للمدارس لعقود طويلة.
جدول زمني تدريجي على مرحلتين
جاء الإعلان خلال مشاركة الوزير في فعاليات «منتدى مصر»، حيث أوضح أن الوزارة تضع إنهاء نظام الفترات الدراسية المزدوجة على رأس أولوياتها، لما يفرضه من أعباء اقتصادية واجتماعية على أولياء الأمور، وما يسببه من ضغط تشغيلي على المباني المدرسية.
وتقوم الخطة على مرحلتين واضحتين:.
- المرحلة الأولى (2028): إنهاء الفترة المسائية نهائياً في جميع مدارس المرحلة الإعدادية على مستوى المحافظات.
- المرحلة الثانية (2029): التخلص التام من النظام ذاته في مدارس المرحلة الثانوية بنهاية العام.
ويمثل هذا التسلسل الزمني تحولاً جوهرياً في مسار تطوير التعليم المصري، إذ يمنح المدارس فرصة للانتقال إلى نموذج «اليوم الدراسي الكامل» الذي يُطبَّق حالياً بصورة جزئية في بعض المحافظات.
لماذا الفترة المسائية؟ الأسباب والدوافع
يرتبط نظام الفترات المزدوجة تاريخياً بارتفاع الكثافة الطلابية وعدم كفاية المباني المدرسية، مما اضطر الوزارة لعقود إلى تقسيم اليوم الدراسي بين فترتين صباحية ومسائية لتستوعب أعداد الطلاب المتزايدة.
غير أن هذا الحل المؤقت ترتبت عليه آثار سلبية متعددة، منها:.
- تفاوت جودة التحصيل بين طلاب الفترتين، لا سيما في ظل انخفاض تركيز الطلاب في الساعات المتأخرة من اليوم.
- تعارض مواعيد الفترة المسائية مع جداول عمل أولياء الأمور، مما يصعّب متابعة الأبناء.
- حرمان طلاب الفترة المسائية من الأنشطة اللاصفية والرياضية التي تُنظَّم عادة في الصباح.
- تآكل البنية المدرسية نتيجة الاستخدام المكثف على مدار اليوم بأكمله.
استثمارات ضخمة لمواجهة الكثافة الطلابية
تكمن حجر الأساس في نجاح هذه الخطة في مشروعات التوسع التي تنفذها الوزارة بالتنسيق مع الجهات المعنية، وتشمل بناء فصول جديدة، وإنشاء مدارس إضافية، وتطوير الأبنية التعليمية القائمة في مختلف المحافظات، مع التركيز على المناطق ذات الكثافة المرتفعة والمناطق العمرانية الجديدة.
ويهدف هذا التوسع إلى خفض متوسط عدد الطلاب في الفصل الواحد إلى معدلات تسمح بتطبيق اليوم الدراسي الكامل بكفاءة.
ولم تقتصر الجهود على البناء فقط، بل تمتد إلى رقمنة المنظومة الإدارية وتطوير آليات توزيع الطلاب جغرافياً، بما يضمن استفادة كل مدرسة من طاقتها الاستيعابية القصوى دون تكدس.
أثر متوقع على جودة التعليم وشخصية الطلاب
يُنتظر أن ينعكس إلغاء الفترة المسائية إيجاباً على عدة مستويات؛ إذ يتيح وقتاً أطول للمعلمين لتقديم شرح أعمق ومتابعة فردية للطلاب، كما يفسح المجال لممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية التي تُعد ركيزة أساسية في بناء شخصية الطلاب وتنمية مهاراتهم الحياتية.
ويأتي ذلك متسقاً مع أهداف الاستراتيجية الوطنية للتعليم التي تركز على الانتقال من التلقين إلى التعلم النشط.
التحديات وضرورة المتابعة
ورغم الطموح الذي تحمله الخطة، فإن نجاحها يبقى مرهوناً بالالتزام بالمواعيد المعلنة، وضمان التمويل الكافي لمشروعات التوسع، ومعالجة التفاوت بين المحافظات في سرعة تنفيذ المشروعات.
كما يتطلب الأمر متابعة ميدانية دورية لضمان عدم عودة الدوام المزدوج في المدارس التي تعاني ضغطاً استثنائياً.
ويبقى أن السنوات المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لجدية تنفيذ هذا التوجه، الذي يحمل في طياته وعداً بأن يستعيد الطالب المصري يومه الدراسي الكامل، ويستعيد ولي الأمر قدرته على متابعة أبنائه في أوقات منتظمة.

التعليقات