في تطور يعكس تفاقم التوترات الأمنية في أحد أهم الممرات المائية في العالم، وجّه الاتحاد الأوروبي نداءً رسمياً وعاجلاً إلى جميع دوله الأعضاء لحثّها على إرسال مزيد من القطع البحرية والسفن الحربية، بهدف تعزيز قدرات مهمته العسكرية العاملة في البحر الأحمر، والتي تواجه ضغوطاً متزايدة تهدد أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة العالمية.
خلفية المهمة الأوروبية وأهدافها
تأتي هذه الدعوة في إطار المهمة البحرية الأوروبية المعروفة اختصاراً باسم «أسبيدس» (ASPIDES)، التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في فبراير 2024 بهدف حماية السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب والبحر الأحمر من الهجمات المتكررة.
وتعتمد المهمة على مبدأ الدفاع عن النفس ومرافقة السفن، مع الالتزام بقواعد الاشتباك التي تحددها الدول المشاركة.
وتشارك في المهمة حتى الآن عدة دول أوروبية أبرزها فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان وبلجيكا وهولندا وإسبانيا، إلى جانب مساهمات بحرية متنوعة تشمل فرقاطات ومدمرات وطائرات استطلاع.
غير أن التقارير تشير إلى أن حجم القوات الحالية لا يزال غير كافٍ لتغطية المساحة الشاسعة التي تمتد عليها منطقة العمليات، ما دفع القيادة الأوروبية في بروكسل إلى المطالبة برفع مستوى المساهمات بشكل فوري.
أهمية البحر الأحمر استراتيجياً واقتصادياً
يمثل البحر الأحمر شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو 12% من حجم التجارة الدولية و30% من حركة الحاويات عالمياً.
ويربط هذا الممر بين قناة السويس وخليج عدن، مما يجعله نقطة عبور لا غنى عنها للسفن المتجهة بين آسيا وأوروبا.
وقد أدت الاضطرابات الأمنية في المنطقة إلى تحويل مسارات العديد من شركات الشحن الكبرى نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما رفع مدة الرحلات بمعدل 10 إلى 14 يوماً ورفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل ملحوظ، مما انعكس على أسعار السلع وأسهم في ارتفاع معدلات التضخم في عدد من الأسواق العالمية.
التحديات التي تواجه التعزيزات الجديدة
تواجه مهمة تعزيز الحضور البحري الأوروبي عدة عقبات، من بينها:
- التباين في الرغبة السياسية لدى الدول الأعضاء، إذ تتحفظ بعض العواصم على توسيع نطاق العمليات خوفاً من الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع.
- القيود المالية واللوجستية المرتبطة بتكاليف تشغيل السفن الحربية لفترات طويلة بعيداً عن قواعدها.
- الحاجة إلى تنسيق دقيق مع القوات البحرية الأخرى العاملة في المنطقة لتفادي التداخل أو الازدواجية في العمليات.
- الطبيعة المتغيرة للتهديدات، التي تشمل الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والصواريخ الباليستية المضادة للسفن.
الانعكاسات المتوقعة على المشهد الإقليمي
من المرجح أن تُلقي هذه الخطوة بظلالها على موازين القوى في المنطقة، في وقت تسعى فيه القوى الدولية إلى استعادة الاستقرار في أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وتتوقع أوساط دبلوماسية أن تتفاوت استجابات الدول الأعضاء بين من سيرفع مساهمته فوراً ومن سيكتفي بدعم لوجستي أو استخباراتي محدود.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تكفي التعزيزات الجديدة لفرض طوق أمني فعّال يحمي السفن العابرة، أم أن الأمر يتطلب مقاربة سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالحلول العسكرية؟

التعليقات