التخطي إلى المحتوى

استهلت الأسواق المالية الأوروبية تعاملاتها صباح يوم الخميس على وقع هبوط جماعي حاد، إذ تراجعت المؤشرات الرئيسية في بورصات لندن وفرانكفورت وباريس وميلانو، متأثرة بموجة بيع عارمة اجتاحت قطاع التكنولوجيا على المستوى العالمي.

ولم تقتصر الخسائر على بورصة وول ستريت والأسواق الآسيوية، بل انتقلت العدوى سريعاً إلى القارة العجوز، فيما سادت حالة من الترقب والحذر الشديدين في أوساط المستثمرين والمحللين الماليين.

بيانات التضخم الأمريكي.

الشرارة الأولى للأزمة

.

تعود جذور هذه الموجة البيعية إلى صدور تقارير التضخم الأخيرة في الولايات المتحدة، والتي جاءت أعلى بكثير من توقعات المحللين وأكثر إحباطاً من القراءات السابقة.

فقد أظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعاً متجاوزاً للهدف الذي يرصده مجلس الاحتياطي الفيدرالي عند 2%، مدفوعاً بصعود أسعار الخدمات والإيجارات وكلفة الطاقة، وهو ما دفع المتعاملين إلى إعادة تسعير احتمالات إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وقد انعكست هذه المؤشرات المقلقة سريعاً على أسواق السندات، حيث قفزت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى مستويات لم تشهدها منذ أشهر، ما رفع تكاليف الاقتراض على الحكومات والشركات والأسر على حد سواء، وأضعف شهية المخاطرة لدى المستثمرين المؤسسيين والأفراد.

نزيف حاد في أسهم قطاع التكنولوجيا

كان قطاع التكنولوجيا الأكثر تضرراً من هذه الهزات المتتالية، إذ تعرضت أسهم كبرى الشركات التقنية لعمليات جني أرباح قاسية ومبيعات واسعة النطاق.

ويُعزى هذا التراجع إلى أن شركات التقنية، وخاصة شركات النمو والذكاء الاصطناعي والشركات الناشئة، تعتمد بشكل مكثف على التمويل بالديون ورأس المال المخاطر، ما يجعلها الأكثر حساسية لارتفاع كلفة الاقتراض.

ويوضح خبراء أسواق المال أن ارتفاع عوائد السندات يقلل من القيمة الحالية للأرباح المستقبلية المتوقعة، وهي الأرباح التي تشكل أساس تقييم أسهم النمو.

ولذلك يتحول المستثمرون تدريجياً من أسهم التقنية المرتفعة المخاطر نحو قطاعات دفاعية مثل الطاقة والمرافق والسلع الاستهلاكية الأساسية والرعاية الصحية.

تداعيات ممتدة على الأسواق الناشئة والعملات

لم تقتصر التداعيات على الأسواق المتقدمة، فقد ارتفع الدولار الأمريكي مقابل معظم العملات الرئيسية، ما زاد الضغط على الأسواق الناشئة التي تواجه أعباء دين مقومة بالعملة الأمريكية.

وفي هذا السياق، تراجع اليورو والجنيه الإسترليني أمام الدولار، فيما اتجه المستثمرون نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب وسندات الخزانة قصيرة الأجل.

مستقبل غامض وترقب لقرارات البنوك المركزية

مع تصاعد هذه الضغوط، تتجه أنظار المستثمرين حول العالم نحو اجتماعات البنوك المركزية القادمة، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، لمعرفة كيفية التعامل مع التضخم العنيف دون دفع الاقتصاد نحو الركود.

وتعيش الأسواق حالة من عدم اليقين بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص هذه الصدمات، فيما يتراوح المتداولون بين اقتناص فرص الشراء عند مستويات منخفضة أو مواصلة الهروب نحو الأصول الآمنة.

ويرى بعض المحللين أن الأسواق قد تشهد تقلبات عنيفة في المدى القصير حتى تتضح صورة السياسة النقدية، بينما يرى آخرون أن التراجع الحالي قد يوفر فرصاً انتقائية للمستثمرين طويلي الأجل إذا استقرت قراءات التضخم في الأشهر المقبلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *