يشهد سوق العقارات المصري جدلاً متزايداً حول الدور الفعلي الذي يلعبه القطاع المصرفي في تسهيل حصول المواطنين على الوحدات السكنية، إذ لا تزال هناك فجوة واسعة بين حجم العقارات التي تُباع سنوياً وبين عدد الوحدات التي تُموَّل فعلياً عبر منظومة التمويل العقاري الرسمي.
وتثير هذه الفجوة تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي تدفع الغالبية العظمى من المشترين إلى تجنّب القنوات البنكية.
أرقام تكشف حجم الفجوة في السوق العقاري
تُظهر بيانات الخبير الاقتصادي أيمن عبد الحميد أن ما يقارب 97% من الوحدات العقارية المباعة سنوياً في السوق المصري تُشترى بطرق بعيدة تماماً عن منظومة التمويل العقاري الرسمي.
وتعكس هذه النسبة المحدودية الشديدة في اعتماد المشترين على التمويل البنكي، مقابل لجوئهم بشكل أساسي إلى آليات السداد المباشر والتقسيط مع المطورين العقاريين.
لماذا يعزف المشترون والمطورون عن التمويل العقاري؟
يرجع هذا العزوف إلى مجموعة من العوامل المترابطة، من أبرزها:
- تعقيد الإجراءات البنكية: تعدد المستندات المطلوبة وطول دورة الموافقة يجعل العملية مرهقة ويستغرق وقتاً أطول من قدرة المشتري على الانتظار.
- ارتفاع أسعار الفائدة: شهدت الفائدة ارتفاعات متتالية في فترات مختلفة، ما رفع تكلفة القرض العقاري وجعل الأقساط الشهرية أعلى من قدرة كثير من الأسر.
- صرامة شروط التمويل: تفرض الجهات الممولة قيوداً على الدخل الشهري، والعمر، ونسبة عبء الدين إلى الدخل، إلى جانب اشتراطات صارمة على الأوراق الثبوتية.
- تفضيل المطورين للتقسيط المباشر: يقدّم المطورون العقاريون تسهيلات سداد مباشرة لضمان سرعة دوران المخزون وتحقيق السيولة دون انتظار موافقات البنوك.
الآثار الاقتصادية لهذه الفجوة
لا تقتصر آثار هذه الفجوة على المستوى الفردي، بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي؛ فضعف التمويل العقاري الرسمي يقلّص قدرة البنوك على تحويل المدخرات إلى استثمارات إسكانية، ويحدّ من نمو قطاع التشييد المرتبط بسلاسل توريد واسعة.
كما يدفع ذلك كثيراً من التعاملات إلى الاقتصاد غير الرسمي، ما يصعّب على الدولة قياس النشاط العقاري الحقيقي وتنظيم السوق.
كيف يُمكن تقليص الفجوة؟
يتطلب تحفيز التمويل العقاري جهداً مشتركاً بين البنك المركزي والبنوك التجارية والمطورين، من خلال خفض تكلفة الفائدة على القروض الإسكانية، وتبسيط ودigitalة إجراءات الموافقة، وتوسيع برامج الدعم الموجّهة لمحدودي ومتوسطي الدخل، وتعزيز الشراكات بين البنوك والمطورين لتقديم حزم تمويلية متكاملة.
كما يسهم تحسين الشمول المالي وتوعية المواطنين بمزايا التمويل البنكي في رفع نسبة الوحدات الداخلة تحت المظلة الرسمية.
خلاصة
يظل التمويل العقاري أحد أهم روافع تملك المواطنين للوحدات السكنية، لكنه لا يزال بعيداً عن قلب السوق المصري.
وتُعد معالجة ارتفاع الفائدة وتعقيد الإجراءات وبناء الثقة بين الأطراف الثلاثة – البنوك والمطورين والمشترين – بوابة أساسية لتقليص هذه الفجوة وتحويل السوق العقاري إلى قطاع أكثر تنظيماً واستدامة.

التعليقات