كشفت تقارير صحفية عالمية حديثة، من بينها تحليل موسّع نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، عن عجز الاستراتيجية العسكرية التي تتبناها الإدارة الأمريكية في الحد من تدفقات المخدرات عبر البحار، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى هذه العمليات على المستويين الفيدرالي والدولي.
تفاصيل فشل الضربات الأمريكية في ردع تجار المخدرات
أوضحت التحليلات أن الحملات المكثفة التي تستهدف الزوارق السريعة المشتبه في نقلها للممنوعات في المحيط الهادئ والبحر الكاريبي لم تنجح في إحداث هزة حقيقية في أسواق الكوكايين الضخمة حول العالم.
فقد أظهرت شبكات التهريب مرونة فائقة في تعديل مسارح عملياتها، ونقل نقاط الانطلاق إلى ممرات بحرية جديدة، وابتكار طرق مبتكرة لتجاوز الحصار الأمني المفروض في البحار المفتوحة.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة الاعتراض البحري للشحنة الواحدة قد تصل إلى ملايين الدولارات، في حين لا تمثل الكميات المضبوطة سوى نسبة ضئيلة من إجمالي التدفقات، ما يرفع من «معادلة الكلفة والعائد» لصالح الشبكات الإجرامية التي تعوّض أي خسارة سريعاً.
استمرار طفرة تجارة الكوكايين رغم الضغط العسكري
وعلى الرغم من إعلان السلطات الأمريكية مراراً عن ضبط شحنات ضخمة وتوجيه ضربات موجعة لعصابات الجريمة المنظمة، إلا أن الأرقام تشير إلى استمرار ازدهار تجارة الكوكايين عالمياً بمعدلات غير مسبوقة.
فالإنتاج العالمي بلغ مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد المساحات المزروعة في دول أمريكا اللاتينية، واتساع أسواق الاستهلاك في أوروبا وأفريقيا وآسيا، ما يجعل من الصعب قياس أثر العمليات العسكرية على مجمل السوق.
لماذا تفشل المقاربة العسكرية وحدها؟
يؤكد الخبراء أن الآلية العسكرية وحدها لا تكفي لتجفيف منابع هذه التجارة غير المشروعة، إذ تتطلب المواجهة مقاربة أمنية واقتصادية شاملة تتضمن تتبع الأموال، وتفكيك الشبكات اللوجستية المعقدة في دول البر الرئيسي، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي العرض والطلب.
كما أن الفساد المؤسسي والثغرات في الرقابة على الموانئ والمطارات تمنح المهربين منافذ بديلة عندما تُغلق المسارات البحرية.
ويضاف إلى ذلك أن التحول نحو مسارات برية وجوية أكثر تعقيداً، واستخدام تقنيات تشويش حديثة، وقيادة زوارق من دون طاقم، يجعل مهمة الرصد والاعتراض أكثر صعوبة وتكلفة.
بدائل مقترحة لمواجهة الظاهرة
يدعو محللون إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وتفعيل أدوات مكافحة غسل الأموال، وملاحقة الأصول المالية بدلاً من الاكتفاء بمصادرة الشحنات، إضافة إلى دعم التنمية البديلة في مناطق الزراعة، وبناء قدرات أجهزة إنفاذ القانون المحلية، وإطلاق حملات للحد من الطلب في أسواق الاستهلاك.
وتؤكد التجارب أن الاستراتيجيات المتوازنة التي تجمع بين الأمن والاقتصاد والصحة العامة تبقى أكثر فعالية واستدامة من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.
ويبقى السؤال الأكبر: هل تعيد واشنطن صياغة استراتيجيتها لتكون أكثر شمولاً، أم تستمر في رهان يبدو أن نتائجه لم تتحقق حتى الآن؟

التعليقات