من أكثر المسائل التي تثير قلق المصلين وتُشغل أذهانهم تلك اللحظة التي يتذكرون فيها أنهم أغفلوا سجود السهو بعد أن فرغوا تماماً من الصلاة وأتموا التسليم، فيقعون في حيرة بين الخوف من بطلان الصلاة وبين البحث عن مخرج شرعي يجبر ما وقع من نقص أو زيادة.
وقد أولى فقهاء الأمة هذه المسألة عناية كبيرة، فأفردوا لها أبواباً في كتب الفقه، وبيّنوا الأحكام الدقيقة التي تزيل اللبس وتضع المصلي أمام رؤية واضحة تطمئن قلبه وتصحح عبادته.
ما هو سجود السهو وأسبابه؟
سجود السهو هو سجدتان يسجدهما المصلي جبراً لما وقع في صلاته من خلل بسبب النسيان، ويكون سببه واحداً من ثلاثة أمور:
- الزيادة: كأن يزيد المصلي ركوعاً أو سجوداً أو ركعة سهواً.
- النقص: كأن يترك واجباً من واجبات الصلاة كالتسبيح في الركوع أو السجود أو التشهد الأول.
- الشك: كأن يتردد في عدد الركعات التي أدّاها.
وسمي بهذا الاسم لأنه يجبر النقص الحاصل ويرغم الشيطان الذي يسعى لإفساد صلاة العبد وإدخال الشك عليه.
حكم نسيان سجود السهو عند فقهاء الشريعة
تتعدد الآراء الفقهية بين المذاهب الأربعة حول مصير صلاة من نسي سجود السهو ثم تذكر بعد مرور وقت طويل أو قصير، ويربط الفقهاء الحكم بمدى طول الفصل بين انتهاء الصلاة وتذكر السجود، وبطبيعة السهو ذاته، وهل كان نقصاً في أركان الصلاة أو زيادة غير مقصودة.
وفيما يلي تفصيل آراء المذاهب الأربعة:.
المذهب الحنفي
يرى الحنفية أن سجود السهو يجب أن يكون في موضعه المرتبط بالصلاة، فإذا سلّم المصلي ثم تذكر أنه ترك سجود السهو، فإن كان التذكر قريباً ولم يفصل فاصل طويل ولم يتكلم، سجد ما دام في مكانه أو قريباً منه، وصلاته صحيحة.
أما إذا طال الفصل أو انتقض الوضوء أو خرج من المسجد، فقد فات موضع السجود ولا شيء عليه عند بعضهم، مع التأكيد على أن ترك السجود لا يبطل الصلاة نفسها إذا كانت أركانها قد استوفيت.
المذهب المالكي
يشترط المالكية أن يكون سجود السهو متصلاً بالصلاة وقريباً من السلام، فإن تذكره بعد فاصل طويل أو بعد خروج الوقت أو انتقاض الطهارة، سقط عنه ولا يعيد الصلاة، لأن سجود السهو عندهم سنة مؤكدة يجبر الخلل ولا يترتب على تركه بطلان الصلاة.
ويرون أن المصلي إذا تذكر قريباً رجع وسجد ما لم يطل الفصل عرفاً.
المذهب الشافعي
يذهب الشافعية إلى أن سجود السهو إذا نُسي وتُذكر بعد السلام مباشرة أو بفاصل يسير، فإن المصلي يسجد ويسلّم مرة أخرى، وتكون صلاته صحيحة.
أما إذا طال الفصل عرفاً أو انتقض الوضوء أو خرج الوقت، فقد فات محله ولا يجب عليه القضاء عند الجمهور، مع بقاء الصلاة صحيحة لأن السجود سنة لا ركن.
ويشترطون الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة عند أدائه.
المذهب الحنبلي
يرى الحنابلة أن سجود السهو واجب، فإذا تركه المصلي متعمداً بطلت صلاته، أما إذا نسيه ثم تذكره بعد السلام بفاصل يسير، فإنه يأتي به ويصح ما مضى من صلاته.
وإذا طال الفصل عرفاً أو انتقض الوضوء أو خرج من المسجد، سقط السجود عند بعضهم، بينما يرى آخرون أن الصلاة صحيحة مع الإثم بترك واجب من واجبات الصلاة إذا كان الترك عمداً لا نسياناً.
الخلاصة العملية للمصلي
يمكن إجمال القول في هذه المسألة في النقاط التالية التي تعين المصلي على تجاوز الحيرة:
- إذا تذكر سجود السهو بعد السلام مباشرة أو بفاصل قصير، عاد وسجد ثم سلّم، وصلاته صحيحة بإجماع الفقهاء تقريباً.
- إذا طال الفصل عرفاً أو انتقض الوضوء، سقط السجود عند الجمهور ولا تبطل الصلاة، لأن السجود يجبر الخلل ولا يقوم مقام الركن المتروك.
- إذا كان السهو تركاً لركن من أركان الصلاة لا لسنة، فلا بد من الإتيان بالركعة أو الفعل المتروك، لأن الأركان لا يجبرها السجود.
- الأولى بالمصلي أن يحتاط فيسجد ما دام التذكر قريباً، خروجاً من الخلاف وتحقيقاً للطمأنينة.
نصائح لتفادي نسيان سجود السهو
لتفادي الوقوع في هذه الحيرة ينصح المصلي بأن يركز ذهنه في صلاته ويخشع فيها، ويتجنب الوساوس والشكوك المستمرة التي تُفسد الخشوع، كما يُستحب أن يتعلم أحكام الصلاة وسجود السهو قبل أدائها ليكون على بصيرة.
ومن تكرر عليه النسيان فليجعل لنفسه تنبيهاً بسيطاً كتمهل قصير بعد السلام ليتذكر ما إذا كان قد سهى في صلاته أم لا.
والمسلم مطالب بالطمأنينة في عبادته والبعد عن الوسواس الذي يسلبه الخشوع ويجعله في قلق دائم.
وختاماً، فإن ترك سجود السهو نسياناً لا يبطل الصلاة عند جمهور الفقهاء ما دامت أركانها مستوفاة، ويبقى الرجوع إلى أهل العلم والفتوى المتخصصة هو السبيل الأمثل لحل الإشكالات الخاصة بحسب حال كل مصلٍّ وظروفه.

التعليقات