حكم العمل في محال بيع السجائر والمعسل.
بين الحرمة الصحية والحكم الشرعي.
لم يعد السؤال عن حكم العمل في بيع السجائر والمعسل مجرد استفسار عابر يتردد بين الحين والآخر، بل تحول إلى قضية تشغل بال قطاع واسع من الشباب العاملين في قطاع التجزئة، وأصحاب المحال التجارية، والباحثين عن مصدر رزق حلال.
فمع الانتشار الواسع لمنتجات التبغ بمختلف أنواعها، من السجائر إلى المعسل والشيشة، وجد كثيرون أنفسهم يعملون في هذا المجال دون أن يكون لديهم تصور واضح عن الجانب الشرعي لما يتحصلون عليه من أموال.
ومع كثرة الآراء المتضاربة والاجتهادات الشخصية بين الناس، كان لا بد من الرجوع إلى الجهات الدينية الرسمية المختصة لتحسم الجدل ببيان موثوق يستند إلى الدليل الشرعي.
أسباب شيوع التساؤل حول التجارة في التبغ
يعود انتشار هذه التساؤلات لأسباب عدة، من أبرزها التوسع الكبير في عدد المحال التي تبيع منتجات التبغ، والتي توفر فرص عمل لملايين الأشخاص على مستوى العالم العربي.
فالعامل في هذا القطاع قد يكون بائعاً أو أمين مخزن أو موزعاً أو محاسباً، وكل هؤلاء يتساءلون هل ما يتقاضونه من أجر مقابل جهدهم المبذول في هذه التجارة يعتبر مالاً حلالاً أم ساقط الحرمة.
ويضاف إلى ذلك الفتاوى المتفرقة المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي يفتقر كثير منها إلى التأصيل الفقهي المعتمد، مما زاد من الحيرة واضطراب المفاهيم لدى العامة.
دار الإفتاء المصرية تتلقى الاستفسارات وتضع الإطار الفقهي
في إطار أداء دورها المستمر في الإجابة عن الفتاوى التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، تلقت دار الإفتاء المصرية عدداً كبيراً من الاستفسارات حول مشروعية العمل داخل محال بيع السجائر والمعسل.
وأوضحت المؤسسة الدينية أن المسألة تحتاج إلى تدقيق فقهي دقيق يوازن بين عدة اعتبارات، أولها طبيعة هذه المنتجات وما ثبت بخصوصها من أضرار صحية على الفرد والمجتمع، وثانيها الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي يترتب على هذا القطاع، وثالثها القواعد العامة التي تحكم المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية من حيث طيب المكسب وخلوه من الخبائث.
الخلاف الفقهي المعاصر حول بيع التبغ والسجائر
أكد علماء الإفتاء أن بيع السجائر والمعسل يقع في دائرة المسائل التي اختلف حولها الفقهاء المعاصرون، وهذه المسألة معروفة في كتب الفقه الحديثة بمسألة حكم التبغ والتكسب منه.
وسبب الخلاف يرجع بالأساس إلى تضارب الأقوال في تكييف التبغ: فمن الفقهاء من رأى أنه من الخبائث التي حرمها الله لأنه مضر بالنفس والمال، مستندين إلى قوله تعالى: «ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث»، ومنهم من قصر الحكم على الجهة الصحية ورأى أن الإضرار بالجسم أمر منكر لكن أثره في فسخ البيع محل نظر.
وقد استقر الرأي عند جمهور المعاصرين على أن ضرر التبغ بات مؤكداً بالدليل الطبي القاطع، مما يجعل الإدمان عليه خطراً على الصحة يوجب التوجيه والتنفير منه.
توجيهات الإفتاء للشباب والباحثين عن الرزق الحلال
حرصت دار الإفتاء المصرية على توجيه نصائح غالية للشباب والباحثين عن الرزق الحلال، مؤكدة أن الأصل في المسلم أن يتحرى الطيبات ويبتعد عن كل ما فيه شبهة متى تيسر له البديل الأفضل.
ودعت الدار إلى أن يحرص العامل على البحث عن مصادر الرزق التي تجمع بين الحل الشرعي والنفع المجتمعي، خاصة مع تنوع فرص العمل في الأسواق اليوم، لأن راحة البال وبركة الرزق وطيب القلب لا تأتي إلا من سلامة المصدر.
كما أكدت أن القاعدة الذهبية في المعاملات هي أن من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
آثار صحية واجتماعية تدفع للتأمل
لا يمكن فصل الحكم الشرعي في بيع التبغ عن أضراره التي باتت مثبتة في التقارير الصحية الدولية، حيث تسبب السجائر في ملايين الوفيات سنوياً عالمياً، وترتبط بأمراض خطيرة كسرطان الرئة والقلب والشرايين.
كما أن للتبغ أثراً اقتصادياً ثقيلاً على الأسر، إذ يستهلك جزءاً كبيراً من دخل المدخن على حساب احتياجات أساسية أخرى.
وإلى جانب الجانب الصحي، يرتبط هذا القطاع بظواهر اجتماعية سلبية بين صغار السن، مما جعل كثيراً من المجتمعات تتجه إلى تقييد الإعلان عنه وحماية الأطفال من الوصول إليه.
خلاصة الجواب الشرعي
من خلال ما سبق يتضح أن الموضوع لا يحمل حكماً واحداً مغلقاً، بل يحتاج إلى مراعاة الأحوال والمقاصد، ولذلك كان التوجيه العام للدار يتجه نحو جعل هذا العمل من مواطن الشبهة التي يستحسن التحرز منها إذا وُجدت البدائل، مع بيان أن اللجوء إلى أهل العلم المختصين في كل حالة بعينها هو السبيل الأسلم لمن يريد البراءة لدينه.
فالسؤال عن الحلال والحرام شهية إيمان، ودليل على حيوية ضمير المسلم وحرصه على طيب مكسبه.
وفي ختام التوجيه، يبقى الفهم الصحيح للفتوى مرتبطاً بمعرفة المقاصد الكلية للشريعة التي جاءت بحفظ الدين والنفس والعقل والمال، وهو ما يجعل من الحيطة في المعاملات المالية سبيلاً إلى بركة الرزق وسلامة القلب والقرب من الله سبحانه وتعالى.

التعليقات