كاجريسيما (CagriSema): ثورة جديدة في علاج السمنة والسكري تستهدف الدماغ والجسم معًا
على مدى عقود، اقتصر تقييم أدوية السمنة على رقم واحد فقط: الوزن على الميزان.
لكن البيانات الجديدة التي أعلنتها شركة “نوفو نورديسك” خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأوروبية لدراسة السكري (EASD 2026) ترسم صورة مختلفة تمامًا، إذ تكشف أن عقار “كاجريسيما” (CagriSema) التجريبي لا يكتفي بخفض الوزن، بل يعالج الآليات الجذرية الكامنة وراء السمنة وداء السكري من النوع الثاني في الدماغ والأعضاء والأنسجة.
وحصلت الدراسة الرئيسية المقدمة في المؤتمر على جائزة أفضل ملخص بحثي في (EASD 2026)، وهي جائزة تؤكد الأهمية العلمية لما توصل إليه الباحثون حول آلية عمل الدواء داخل الجسم.
ما هو “ضجيج الطعام” ولماذا يهم؟
يصف العديد من الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة حالة الانشغال المستمر بالطعام – والتي تُعرف باسم “ضجيج الطعام” (Food Noise) – بأنها العائق الأكبر أمام فقدان الوزن المستدام.
هذا الضجيج ليس مجرد جوع عادي، بل هو تفكير دائم ومستمر في الطعام يصعب إسكاته، ويقوّض أفضل النوايا الغذائية.
وقد صُممت دراسات “كاجريسيما” المقدمة في (EASD 2026) لمعالجة هذه الفجوة تحديدًا، من خلال قياس تأثير العلاج في الدماغ والسلوك والجسم، وليس الوزن وحده.
دراسة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي: 52 أسبوعًا من التغيير الدماغي
في دراسة استمرت 52 أسبوعًا باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) – وهو أسلوب غير جراحي لقياس نشاط الدماغ أثناء أداء مهام محددة – أظهر “كاجريسيما” قدرة على تعديل استجابة الدماغ للأطعمة المغرية والغنية بالسعرات الحرارية.
وقد تغيّرت استجابة الدماغ في المناطق المسؤولة عن:
- الرغبة الشديدة والمكافأة
- الشعور بالمتعة والمعالجة الحسية
- ضبط النفس والتحكم السلوكي
ولم تقتصر النتائج على التغيرات العصبية، بل امتدت إلى تحسن ملحوظ في سلوك تناول الطعام، مع انخفاض في “ضجيج الطعام”، والرغبة المفرطة، والجوع، والشهية، والأفكار المتعلقة بالطعام.
كما حسّن الدواء القدرة على التحكم في الرغبة الملحة بعد كل من 22 و52 أسبوعًا من العلاج.
وارتبطت هذه التحسينات بانخفاض بنسبة 22.4% في وزن الجسم مقارنةً بالدواء الوهمي بعد 52 أسبوعًا (فرق العلاج المقدر عند 52 أسبوعًا، p<0.0001).
التأثيرات الأيضية: ما وراء الوزن
في دراسة فرعية منفصلة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي، قيّمت التجربة (REIMAGINE 1) من المرحلة الثالثة (أ) التأثيرات الأيضية على الجسم بالكامل لدى البالغين المصابين بداء السكري من النوع الثاني في مراحله المبكرة.
وقد أدى “كاجريسيما” بجرعة 2.4 مجم/2.4 مجم إلى:
- انخفاضات ملحوظة في الدهون الموجودة في البطن وحول الكبد والبنكرياس مقارنةً بالدواء الوهمي
- انخفاض بنسبة 14.3% في وزن الجسم في الأسبوع 40
وتُعد الدهون المنتبذة – أي الدهون المتراكمة في الكبد والبنكرياس وحول أعضاء البطن – عاملًا رئيسيًا في مقاومة الأنسولين وتطور داء السكري من النوع الثاني، مما يجعل هذه النتائج ذات أهمية خاصة.
صحة العظام: طمأنينة أولية مهمة
أظهر تحليل لاحق لمؤشرات العظام في تجربة (REIMAGINE 2) من المرحلة الثالثة لدى البالغين المصابين بداء السكري من النوع الثاني غير الخاضع للسيطرة بشكل كافٍ، مؤشرات على الحفاظ على توازن صحي للعظام.
وقد اقترن ذلك بانخفاض بنسبة 14.2% في وزن الجسم مع “كاجريسيما” بجرعة 2.4 مجم/2.4 مجم في الأسبوع 68، وهو ما اعتبره الباحثون “طمأنينة أولية بشأن التغيرات العظمية مع كاجريسيما لدى المصابين بداء السكري من النوع الثاني”.
تعليقات الخبراء
وصرّح مارتن هولست لانج، نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم البحث والتطوير في “نوفو نورديسك”: “نعلم أن ضجيج الطعام يمثل تحديًا مستمرًا أمام تحقيق الأهداف الصحية بالنسبة إلى العديد من الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة.
واستنادًا إلى بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ، نشعر بالتشجيع إزاء إمكانية أن يساعد كاجريسيما في الحد من ضجيج الطعام القابل للقياس”.
وأضاف: “في الوقت نفسه، يتطلع الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن والسمنة وداء السكري من النوع الثاني بشكل متزايد إلى ما هو أبعد من مقدار الوزن المفقود، ليركزوا على جودة فقدان الوزن.
وتضيف البيانات المقدمة في (EASD 2026) إلى الأدلة الناشئة التي تشير إلى أن مكوّن الأميلين في كاجريسيما قد يؤثر في بيولوجيا المرض عبر الدماغ وعدة أعضاء، بما يتجاوز فقدان الوزن وحده”.
ومن جانبه، قال البروفيسور توني جولدستون، أستاذ سريري في علم الغدد الصماء العصبية والنفسية واستشاري الغدد الصماء في إمبريال كوليدج لندن: “اللافت في هذه البيانات السلوكية وبيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ هو أنه بعد 52 أسبوعًا، أظهر الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن والسمنة انخفاضًا ملحوظًا في الرغبة الشديدة في تناول الطعام، إلى جانب تغيرات مستمرة في استجابة الدماغ عند مشاهدة صور الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية، وذلك عبر جميع مقاييس الشهية وسلوك تناول الطعام”.
وأضاف: “وقد اقترن ذلك بانخفاض في استهلاك الطاقة ووزن الجسم، مما يوضح العلاقة المباشرة بين معالجة ضجيج الطعام وفقدان الوزن الناجح والمستدام”.
ما هو كاجريسيما وكيف يعمل؟
“كاجريسيما” هو علاج تجريبي من الجيل التالي للسمنة والسكري من شركة “نوفو نورديسك”، ويجمع بين آليتين متكاملتين:
- السيماجلوتيد (Semaglutide): وهو ناهض لمستقبلات الببتيد الشبيه بالجلوكاجون-1 (GLP-1)، يعمل على تقليل الشهية وإبطاء إفراغ المعدة وتحسين التحكم في سكر الدم.
- الكاجريلينتايد (Cagrilintide): وهو ناهض لمستقبلات الأميلين، وهو هرمون يفرزه البنكرياس بالتوازي مع الأنسولين ويساهم في الشعور بالامتلاء والشبع.
هذا الجمع الفريد هو ما يميز “كاجريسيما” عن العلاجات الأحادية، إذ يستهدف مسارات متعددة في وقت واحد: الشهية، والشبع، وسلوك تناول الطعام، وتخزين الدهون.
الجدول الزمني التنظيمي والتطوير المستقبلي
قدمت “نوفو نورديسك” طلب دواء جديد (NDA) لعلاج السمنة إلى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ووزارة الصحة الكندية في ديسمبر 2025.
وفي عام 2026، بدأت تجربة من المرحلة الثالثة لتقييم فعالية وسلامة “كاجريسيما” بجرعة عالية تبلغ 2.4 مجم/7.2 مجم لدى البالغين الذين يعانون من السمنة.
العبء العالمي للسمنة والسكري
لا تزال السمنة وداء السكري من النوع الثاني من بين أكبر أعباء الأمراض المزمنة التي لا تحظى بالعلاج الكافي على مستوى العالم.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يعيش أكثر من مليار شخص حول العالم حاليًا مع السمنة، بينما يقدّر الاتحاد الدولي للسكري أن نحو 589 مليون بالغ يعيشون مع مرض السكري، غالبيتهم مصابون بداء السكري من النوع الثاني.
وبعيدًا عن الوزن بحد ذاته، تزيد السمنة من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي (MASLD)، ومرض الكلى المزمن، وأنواع متعددة من السرطان.
كما تبرز الدهون المنتبذة – المتراكمة في الكبد والبنكرياس وحول أعضاء البطن – كعامل رئيسي في مقاومة الأنسولين وتطور داء السكري من النوع الثاني.
الخلاصة: تحول في فلسفة علاج السمنة
تشير الدراسات الثلاث مجتمعة إلى أن “كاجريسيما” التجريبي قد يؤثر في السمنة وداء السكري من النوع الثاني من خلال تأثيرات متناسقة على سلوك تناول الطعام، ومستويات الدهون داخل الأعضاء وحولها، وإعادة تشكيل العظام – وهي آليات تتجاوز بكثير مجرد خفض الوزن.
وهذا يمثل تحولًا جوهريًا في فلسفة علاج السمنة: من التركيز على المظهر الخارجي إلى معالجة الدوافع البيولوجية الكامنة التي تجعل الحفاظ على الوزن أمرًا صعبًا على المدى الطويل، بما في ذلك الجوع والرغبة الشديدة والانشغال الدائم بالطعام.

التعليقات