مع استمرار التصعيد في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتزايد حدة الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة ومختلف مناطق الضفة الغربية، يتجه التركيز الدولي بشكل متزايد نحو الدور الأمريكي، باعتباره العنصر الأكثر قدرة على التأثير في مسار الأزمة.
وفي هذا الإطار، يؤكد خبراء في الشأن السياسي والأمني أن واشنطن تمتلك أدوات تأثير حقيقية وملموسة يمكن أن تكبح جماح الانتهاكات المتصاعدة، غير أن تفعيل هذه الأدوات يظل مرهوناً بتوافر الإرادة السياسية الفاعلة.
مفاتيح الحل بيد الإدارة الأمريكية
أوضح عوض سليمية، نائب مدير معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، في تصريحات تحليلية حديثة، أن الولايات المتحدة ليست مجرد مراقب للأحداث، بل هي طرف فاعل يمتلك مفاتيح استراتيجية هامة للضغط على الحكومة الإسرائيلية.
وأشار إلى أن الدعم السياسي والعسكري شبه غير المحدود الذي تقدمه واشنطن لتل أبيب يمنحها في المقابل نفوذاً هائلاً يمكن توظيفه بشكل مباشر لإلزام الجانب الإسرائيلي بوقف عملياته وممارساته التي تتنافى مع القوانين الدولية وحقوق الإنسان.
ويشير محللون إلى أن أدوات الضغط الأمريكية المتاحة متعددة، وتشمل المساعدات العسكرية السنوية التي تتجاوز 3.8 مليار دولار، إلى جانب الغطاء السياسي في مجلس الأمن عبر استخدام حق النقض (الفيتو)، والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الوثيقة.
ويرى هؤلاء أن تعليق أو إعادة تقييم أي من هذه الأدوات، ولو بشكل جزئي، قد يشكّل ضغطاً فعلياً يغيّر من حسابات الحكومة الإسرائيلية.
تداعيات استمرار الأزمة على الاستقرار الإقليمي
وأضاف سليمية أن استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه دون تدخل دولي جاد وحاسم من قبل الحليف الأبرز لإسرائيل، ينذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي بأكمله.
وشدد الخبير الفلسطيني على أن غياب التحرك الفعّال يساهم في إطالة أمد المعاناة الإنسانية الكبيرة التي يعيشها المدنيون يومياً.
وتشير تقارير المنظمات الإنسانية الدولية إلى أن الأوضاع في غزة وصلت إلى مستويات كارثية، مع تفاقم أزمة الغذاء والماء والرعاية الصحية، وارتفاع أعداد الضحايا من المدنيين، بينما تشهد الضفة الغربية تصاعداً في عمليات المستوطنين والاقتحامات والاعتقالات.
ويحذر مراقبون من أن إطالة أمد هذه الأزمة قد تؤدي إلى توسيع رقعة عدم الاستقرار لتشمل دول الجوار والمنطقة بأسرها، مع تداعيات مباشرة على أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة العالمية.
سيناريوهات المستقبل وضرورة التحرك الدولي
وفي هذا السياق، يطرح الخبراء سيناريوهين رئيسيين: الأول يقوم على ضغط أمريكي حقيقي يفرض تهدئة تدريجية ويفتح المجال أمام مسار سياسي تفاوضي، والثاني يستمر فيه الوضع الراهن دون تدخل حاسم، ما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد والانفجار الشامل.
ويجمع المراقبون على أن تغيير المسار الحالي نحو التهدئة والسلام الشامل يستدعي صحوة ضمير دولية وضغطاً دبلوماسياً مكثفاً تقوده الولايات المتحدة بالتعاون مع القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، إلى جانب إشراك مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في الضغط من أجل احترام القانون الدولي الإنساني وإنهاء معاناة المدنيين.

التعليقات