حذر الدكتور مصطفى الوكيل، وكيل نقابة صيادلة مصر، من تفاقم أزمة الصيدليات في البلاد، بعد أن كشفت إحصائيات غير رسمية عن غلق ذاتي لأكثر من ألفي صيدلية، مع استمرار العدد في الارتفاع.
وأشار إلى أن النقابة المعنية بمتابعة هذه الظاهرة تخضع للحراسة القضائية، مما يحد من قدرتها على التدخل الفعال.
شهادات الصيادلة: نموذج للأزمة الاقتصادية
وصف أحد الصيادلة حجم الخسائر اليومية قائلاً: “مرت المهنة بكوارث لم نشهدها من قبل.
متوسط مبيعاتي اليومية أربعة آلاف جنيه، بصافي ربح شهري يقارب عشرين ألف جنيه، بينما تصل مصروفاتي من إيجار ومرتبات وكهرباء ومرافق إلى أربعة عشر ألف جنيه، أي يتبقى ستة آلاف جنيه.
لكن مع الزيادات والتضخم، ارتفعت فاتورة الكهرباء والمرافق بنحو ثلاثة آلاف جنيه، ومع رفع المرتبات وزيادة الإيجار زادت المصروفات ستة آلاف جنيه أخرى.
بهذا يصبح صافي ربحي ستة آلاف جنيه، وعليّ دفع عشرة آلاف جنيه، أي عجز شهري قدره أربعة آلاف جنيه، فضلاً عن مصروفات معيشتي والتزاماتي الشخصية، ما يعني أن رأس المال يخسر شهرياً أكثر من خمسة عشر ألف جنيه”.
وتابع الصيدلي: “ظهور قرار معيب أوجد سعرين للدواء.
كنت أبيع دواءً بعشرة جنيهات بربح جنيهين، ثم أصبح شراؤه من الشركة بتكلفة خمسة عشر جنيهاً، فأضطر لدفع خمسة جنيهات إضافية على الربح الذي حققته لإعادة شراء الصنف.
وكان المسؤولون يردون بأنني أكسب جنيهين من القديم، فأوضح لهم أنني سأدفع هذا الربح مضافاً إليه مبلغ آخر.
ثم يتم شراء الجديد والربح منه، لنجد أنفسنا ندفع ربحنا وندفع مبالغ إضافية لشراء الجديد.
يضاف إلى ذلك قيام هيئة الدواء، لإرضاء الشركات، بإصدار قرار تسعير جديد لزيادة أرباحها بالملايين، بينما لا تحصل الصيدليات إلا على فتات برفع هامش الربح بنسبة 2%.
نحن نموت ببطء”.
تفاصيل الأزمة وتداعياتها
أوضح الدكتور مصطفى الوكيل أن ارتفاع معدلات التضخم أثّر على الصيدلي كمواطن بزيادة نفقاته، مشيراً إلى أن الصيادلة يُعاملون معاملة تجارية في بعض الأحيان، لكن عند سن قوانين معينة يُعاملون كمؤسسة خدمية، وهذا التناقض يخلق ضغطاً هائلاً عليهم.
وأضاف: “نعمل في المهنة الوحيدة التي لا يحصل صاحبها على مقابل لجهده، بل على ثمن السلعة فقط، مع تجاهل مجهودات مثل توجيه المريض لكيفية تناول الدواء وإرشاده للمستشفيات.
دول كثيرة تعترف بهذا الجهد وتحدد مقابل الخدمة الصيدلانية، لكن ذلك لا يحدث هنا”.
وتابع: “هامش الربح ثابت منذ عشرات السنين ولم يزد إلا برقم تافه لا يوازي حجم التضخم وزيادة الأسعار، حيث يبلغ متوسط هامش الربح 18%، و12% للدواء المستورد، و20% إلى 25% للدواء المحلي”.
نقص الأدوية والاحتكار
حذر الوكيل من كارثة نقص الأدوية الناتجة عن ضعف الرقابة على الشركات المنتجة والموزعة، ما أدى إلى احتكار بعض المخازن وتخزينها للأدوية في ظل نقصها بالشركات، كما حدث في أزمة نقص أدوية الغدة والقلب وغيرها.
وأصبحت الصيدليات فريسة سهلة تضطر لبيع الدواء بسعره لتوفيرها، بينما تبيع المخازن الأدوية المحتكرة بخصم يصل إلى 2-3%.
قرارات التسعير وموقف هيئة الدواء
وعن قرار هيئة الدواء برفع الأسعار، قال وكيل النقابة إن الهيئة حاولت حل الأزمة بقرار جيد إلى حد ما، لكنه لم يشمل كل أطراف المنظومة، إذ رفع سعر الدواء لإرضاء شركات الأدوية دون النظر إلى الصيدليات الملزمة بمصاريف تشغيل ومرتبات يجب تطبيق الحد الأدنى للأجور بها، ما يكبدها خسائر تصل إلى عشرات آلاف الجنيهات شهرياً من رأس المال.
وأشار إلى أن الكارثة الكبرى التي دمرت الصيدليات منذ سنوات هي بيع الدواء بسعرين دون مراعاة تجديد رأس المال، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الدواء، مما يحاصر الصيدلي ويزيد من تآكل رأس ماله الخاص مع ارتفاع التضخم وتكاليف التشغيل.
الأدوية منتهية الصلاحية وزيادة أعداد الصيادلة
بشأن الأدوية منتهية الصلاحية، أوضح الوكيل أن الشركات المنتجة في كل مكان بالعالم ملتزمة باستلام الأدوية منتهية الصلاحية ورد قيمتها أو استبدالها، لكن منذ ثلاث سنوات لم يتم رد قيمة هذه الأدوية، ما يسهم في ضياع رأس مال الصيدليات.
وحذر من مشكلة الزيادة المفرطة في أعداد الصيادلة، مشيراً إلى مشاركته في دراسة بالمجلس الأعلى للجامعات أوصت بتقليل أعداد المقبولين بكلية الصيدلة.
وقال: “حسب تعليمات الوزارة، يجب ألا يتجاوز التعيين السنوي ستة آلاف صيدلي، فلماذا يتم قبول أكثر من خمسة وعشرين ألف صيدلي مع افتتاح كليات أخرى؟ لا توجد أعداد صيدليات كافية لاستيعاب هذا العدد من الخريجين”.
وأضاف أن الكارثة الأكبر هي عدم تنفيذ قرار قبول من لا يقل مجموعه عن 5% من المجموع المحدد بالتنسيق الحكومي، حيث أصبحت بعض الجامعات تقبل بمجموع 50% لكليات الطب والصيدلة، وهو ما يمثل تجاهلاً لقيمة المهنة.
مقترحات لإنقاذ المنظومة الدوائية
شدد الوكيل على ضرورة النظر إلى الصيدليات كشريك أساسي في المنظومة الدوائية وليس على الهامش، مع تطبيق هامش ربح عادل يوازي حجم التطور، وإلزام الشركات باستلام الأدوية منتهية الصلاحية لأنها الجهة المصنعة.
وطالب بوقف مهزلة تسجيل المكملات الغذائية التي أصبحت آلافاً من الأدوية المسجلة، كثير منها مكرر أو بلا قيمة غذائية.
واقترح تداول الدواء بالاسم العلمي بدلاً من التجاري، تفادياً لتفضيل أنواع تجارية معينة نتيجة اتفاقات الشركات مع بعض الأطباء، مع مراعاة أن تكون المادة الفعالة بنفس التركيز.
كما اقترح ألا يقل هامش ربح الصيدلي عن 30% للدواء المحلي و20% للمستورد، مع تداول الدواء بالاسم العلمي وتحديد هيئة الدواء عدد الشركات المنتجة لكل مادة علمية والاكتفاء بعدد محدد.
وأشار إلى أن الجانب المضيء في هذا المقترح هو تشجيع البحث العلمي لإيجاد حلول وعلاجات لأمراض عديدة، بما يفيد المرضى والمجال الطبي والدولة.
ودعا إلى تقليل عدد المقبولين سنوياً بكليات الصيدلة إلى خمسة آلاف طالب، موضحاً أن المعدل العالمي هو صيدلي لكل عشرة آلاف مواطن، بينما في مصر هناك صيدلي لكل ألف مواطن تقريباً.
وشدد على ضرورة تحقيق ما نادى به الرئيس عبد الفتاح السيسي بتوطين صناعة الدواء، وهو أمر جيد بدأ العمل عليه عبر تصنيع المواد الخام، لكنه سينهار إذا لم يتم إصلاح الوضع الحالي.
واختتم تحذيره للمسؤولين: “لا تجعلوا نصب أعينكم صيدليات السلاسل والصيدليات الضخمة، بل عليكم بالسواد الأعظم وسط الناس في المناطق الشعبية والأقاليم”.
وأكد أن الصيدليات هي خط الدفاع الأول للمريض البسيط في تلك المناطق، ولها دور كبير في الأزمات مثل جائحة كورونا، حيث ساهمت بجهودها مع وزارة الصحة والمستشفيات.

التعليقات