لم تعد قضايا الفقه العملي بعيدة عن واقع المسلمين في المهجر، بل صارت جزءًا أصيلًا من حياتهم اليومية، خصوصًا مع تنوع الظروف وغياب الأُطر الاجتماعية التقليدية التي كانت تتكفل بهذه التفاصيل.
ومن أكثر المسائل التي تُطرَح بإلحاح على السيدات المسلمات المقيمات في الدول الأوروبية: ما الحكم عند وفاة امرأة مسلمة غريبة ليس لها أهل ولا أقارب في بلد الغربة؟ ومن يتولى الصلاة عليها ودفنها؟ وهل يجوز للنساء أن يُصلين عليها جماعة بمفردهن دون رجال؟.
نص الاستفسار الوارد إلى دار الإفتاء المصرية
ورد إلى دار الإفتاء المصرية سؤال عاجل من سيدة مصرية مقيمة بإحدى الدول الأوروبية، أفادت فيه بوفاة صديقة لها في البلد نفسه، وأن المتوفاة لا يوجد لها أي أقارب هناك، ولا عائلة أو أهل يقطنون تلك الدولة ليتولوا مواراة جثمانها الثرى والصلاة عليها بالطريقة الشرعية، وتساءلت عن إمكانية أن تؤدي النساء صلاة الجنازة عليها جماعةً.
الرأي الشرعي: صلاة الجنازة فرض كفاية لا يسقط إلا بأدائها
صلاة الجنازة في الأصل فرض كفاية، أي أنه إذا قام بها البعض سقط الحرج عن الباقين، أما إذا لم يقم بها أحد أثم الجميع.
وبناءً على ذلك، فإنَّ ترك الصلاة على الميت في مجتمع الغربة أمر لا يجوز السكوت عليه، لأن فيه إخلالًا بحق شرعي وواجب اجتماعي تجاه الميت المسلم.
وقد أوضحت دار الإفتاء أن صلاة النساء على الجنازة جماعةً أو فرادى صحيحة ومجزئة وبها يسقط الفرض، ولا يُلتفت إلى القول ببطلانها أو عدم إجزائها؛ لأن صحة الصلاة لا تتوقف على وجود الرجال، وإنما تُشترَط فيها أركان الصلاة وشروطها المعروفة من الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة وترتيب التكبيرات والأدعية [ref:11,15].
الأركان والضوابط التي تُؤدي بها النساء صلاة الجنازة
لكي تكون الصلاة صحيحة ومقبولة، ينبغي مراعاة ما يلي:
- النية مقترِنة بالتكبيرة الأولى، ولا يجب تعيين الميت ذكرًا أو أنثى، فردًا أو جماعة، بل يكفي قصد الصلاة على هذه الجنازة.
- أربع تكبيرات يُذكر بينها الدعاء، على الصفة المعروفة في المذهبين الحنفي والشافعي.
- قراءة الفاتحة في التكبيرة الأولى عند من يرى وجوبها، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية، والدعاء للميت في الثالثة، ثم دعاء عام للمسلمين في الرابعة.
- القيام مع القدرة، والتسليم في نهاية الصلاة.
- الطهارة من الحدث والخبث، واستقبال القبلة، وستر العورة.
أما عن إمامة المرأة للنساء في الصلاة عمومًا، فقد بيَّنت دار الإفتاء أنه لا مانع شرعًا من أن تؤمَّ المرأة غيرها من النساء، ويكون وقوفها في وسط الصفوف لا متقدمة عليهن، كما كان فعل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وروى عنها البيهقي أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء [ref:2,5].
ضوابط اتباع الجنائز وتشييعها للنساء
أما حضور النساء لتشييع الجنائز فهو جائز مع مراعاة جملة من الآداب الشرعية، منها عدم مزاحمة الرجال، وتحقق أمن الفتنة، وعدم التبرج، والتزام السمت والوقار والحزن المناسب للمقام، خصوصًا إذا كانت الجنازة لمن عظُمت مصيبته عليهن [ref:3,6].
مسائل فقهية مساندة: تكرار الصلاة والصلاة على الغائب
يستحب تكرار صلاة الجنازة إذا كان هناك رغبة في كثرة عدد المصلين والدعاء للميت، ما لم يُصلَّ عليه جماعةً من قبل، فحينئذٍ يُكره التكرار عند بعض الفقهاء، ويُستحب جماعةً عند البعض الآخر [ref:4,16].
ويلزم التنبيه إلى مسألة الصلاة على الغائب، وهي تجوز بالنية وإن كان الميت في بلد آخر أو في غير جهة القبلة، وسواء كانت المسافة بينهما مسافة القصر أم لا، وهو ما يُفيد المسلمين في المهجر إذا لم يتمكنوا من الحضور إلى بلد الوفاة أو الدفن [ref:8].
أبعاد إنسانية ودور المؤسسات الإسلامية في المهجر
هذه الفتوى تحمل بُعدًا إنسانيًا واضحًا، فالميت المسلم في الغربة يحتاج إلى من يقوم بحقه الشرعي، وقد دعا الإسلام إلى تعاهد المسلمين بعضهم بعضًا في الحياة وبعد الممات.
ولذلك يُستحسن أن تتكاتف المراكز الإسلامية والجمعيات في الدول الأوروبية على ترتيب هذه الأمور مسبقًا، من خلال:.
- إنشاء لجان متخصصة لتغسيل وتكفين الموتى ودفنهم وفق الضوابط الشرعية.
- توفير مساحات أو مقابر إسلامية في البلد المضيف لتسهيل الدفن.
- توعية المسلمين بأحكام صلاة الجنازة وأركانها وحقوق الميت المسلم.
- إعداد قائمة بالمتطوعين (رجالًا ونساءً) المستعدين للقيام بهذا الواجب الكفائي.
- التنسيق مع السفارات والقنصليات لإنهاء الإجراءات الرسمية المتعلقة بالوفاة والنقل والدفن.
بهذا التوازن بين الحكم الشرعي والواقع العملي، يمكن للمسلمات في الغربة أن يؤدين واجبهن الديني والأخلاقي تجاه أخواتهن وأخواتهن في الإسلام دون حرج ولا تفريط في الأحكام.
خلاصة الحكم في نقاط
- صلاة الجنازة فرض كفاية على المسلمين جميعًا.
- صلاة النساء على الجنازة جماعةً أو فرادى صحيحة ومجزئة وبها يسقط الفرض.
- لا يُشترَط وجود الرجال لصحة صلاة الجنازة.
- تتولى إحدى النساء الإمامة وتقف وسط الصفوف.
- تُراعى أركان الصلاة من النية والتكبيرات والطهارة واستقبال القبلة.
- يجوز للنساء تشييع الجنائز مع مراعاة الضوابط الشرعية والآداب العامة.
- تجوز الصلاة على الغائب بالنية إذا تعذر الحضور.
وتبقى الفتوى رسالة طمأنة لكل مسلمة في المهجر: دينك لا يعجزك عن أداء فرائضك، بل يفتح لك أبواب اليسر والتيسير في الظروف الاستثنائية.
المصادر: فتوى دار الإفتاء المصرية بشأن انفراد النساء بالصلاة على الجنازة جماعةً، وفتواها في إمامة المرأة للنساء، وفتاوى تكرار صلاة الجنازة والصلاة على الغائب.

التعليقات