غضب عارم يهز اليابان… وأوكيناوا في مواجهة مباشرة مع واشنطن
لم تعد الأصوات المنددة داخل جزيرة أوكيناوا مجرد همسات غاضبة، بل تحولت إلى زلزال سياسي وشعبي يضرب بعمق في نسيج العلاقة بين طوكيو وواشنطن.
فبعد سنوات من صمت مضطرب، أعلنت أجراس السياسة اليابانية عن دقّاتها الأعلى، عقب تصاعد موجة الغضب الرسمي والشعبي نتيجة الانتهاكات المتكررة التي يرتكبها عناصر القوات الأمريكية المتمركزة في الجزيرة، وهو ما دفع السلطات المحلية إلى اتخاذ خطوات تصعيدية حاسمة لم تُشهد من قبل بهذه الحدة.
قرار برلماني عاجل يفتح النار سياسياً على القواعد الأمريكية
في خطوة تعكس حجم الاحتقان المحلي المتراكم، أقرّ برلمان محافظة أوكيناوا، يوم الجمعة، مذكرة احتجاج رسمية شديدة اللهجة موجهة مباشرة إلى قيادة الجيش الأمريكي في الجزيرة.
ولم تكتفِ المذكرة بالتنديد، بل طالبت بفرض إجراءات صارمة وحازمة لوقف تكرار الجرائم المروعة التي يرتكبها الجنود بحق المدنيين الأبرياء.
وتجاوز القرار البرلماني حدود الاحتجاج التقليدي، إذ دعا إلى إعادة النظر الجذرية في اتفاقية وضع القوات (SOFA) التي تنظّم وجود العسكريين الأمريكيين في اليابان، وهي الاتفاقية التي يراها الكثيرون حجر الأساس في إفلات الجنود من المحاسبة أمام القضاء المحلي [ref:2,4].
وتُعد هذه المذكرة الثانية من نوعها، إذ سبق للبرلمان أن أصدر مذكرة مماثلة عام 2024 على خلفية سلسلة اعتداءات جنسية سابقة، ما يؤكد أن الأزمة أعمق من حادثة عابرة [ref:2].
جريمة قتل مروعة تفجر الأوضاع
جاء هذا التحرك البرلماني العاجل على خلفية حادثة أليمة هزّت الرأي العام الياباني، إثر توجيه الاتهام رسمياً لأحد عناصر مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) بارتكاب جريمة قتل بشعة بحق امرأة من السكان المحليين، بعد أن أقدم على سرقتها والتخلص منها، في واقعة أعادت إلى الذاكرة جرائم تاريخية عديدة شهدتها الجزيرة [ref:4,5].
وأثارت القضية موجة استياء عارمة، إذ خرجت احتجاجات واسعة أمام القواعد والبوابات العسكرية، مطالبة بوقف التفلت الأمني وإعادة النظام إلى سلوكيات الجنود.
كما استدعت طوكيو السفير الأمريكي لتسليم احتجاج رسمي شديد اللهجة، في مؤشر على أن الأمر لم يعد مسألة داخلية محلية هذه المرة [ref:11].
ردّ عسكري أمريكي متسرّع: حظر تجول وعمليات متوقفة
في محاولة لاحتواء الغضب، بادرت القيادة العسكرية الأمريكية في أوكيناوا إلى فرض حظر تجول ليلي، ووقف جميع الأنشطة في القاعدة لمدة 48 ساعة، مع تقييد مغادرة الجنود، وفرض قيود مشددة على تناول المشروبات الكحولية خارج المواقع العسكرية [ref:1,12,13].
لكن هذه الإجراءات، رغم سرعتها، قوبلت بتشكيك واسع من الجانب الياباني، الذي اعتبرها مجرد إجراءات ترقيعية لا تمسّ الأسباب الجذرية، ولا تعالج المنظومة القانونية التي تحمي الجنود من المساءلة، كما أنها تحتاج إلى ضمانات دائمة لا مؤقتة.
أرقام تكشف حجم التوتر التاريخي
تقف أوكيناوا، رغم أنها لا تمثل سوى 0.6% من مساحة اليابان، حاملةً عبئاً ثقيلاً، إذ تستضيف أكثر من 70% من القواعد الأمريكية في البلاد، ما يجعل التمركز العسكري الأمريكي فيها محوراً لسلسلة ممتدة من الحوادث عبر العقود [ref:10].
ويتمركز في اليابان نحو 54 ألف عسكري أمريكي، غالبيتهم في أوكيناوا، وهي حقيقة تجعل الحوادث المتكررة قضية يومية تمس الحياة المحلية [ref:14].
وقد تراوحت ردود الفعل الشعبية بين مسيرات حاشدة بلغت عشرات الآلاف، وصولاً إلى مطالبات متكررة بإغلاق القواعد وإعادة تقييم الشراكة الأمنية برمّتها [ref:15].
ويشير المؤرخون إلى أن العنف المرتبط بالوجود العسكري ليس ظاهرة حديثة، بل يمتد إلى زمن معركة أوكيناوا نفسها، عندما ارتكبت قوات أمريكية جرائم واسعة بحق السكان [ref:8].
حاكم أوكيناوا: الحاجة ملحّة لتخفيف العبء
استغل حاكم أوكيناوا، تاكيشي أوناغا، هذا التصاعد للدفع مجدداً نحو مطالبه بضرورة “تخفيف العبء” الواقع على الجزيرة، وهو شعار يتكرر في خطابه السياسي منذ سنوات، لكنه يجد اليوم أرضاً خصبة أكبر وسط غضب غير مسبوق [ref:14,15].
وطالب أوناغا بمراجعة شاملة للوجود العسكري، مؤكداً أن استمرار المعاناة دون حلول جذرية سيؤدي إلى تصعيد أكبر قد يهدد استقرار التحالف الأمني نفسه، الذي يعتبر عموداً أساسياً للسياسة الدفاعية اليابانية في مواجهة تحديات المنطقة.
ماذا بعد؟ بين حساسية التحالف وعمق الغضب الشعبي
يكشف هذا المشهد عن معادلة معقدة: فمن جهة، ترى واشنطن في وجودها العسكري في أوكيناوا ركيزة استراتيجية محورية لنفوذها في شرق آسيا.
ومن جهة أخرى، يجد السكان المحليون أنفسهم في دائرة من المعاناة المتكررة دون حلول سياسية دائمة، ما يخلق توتراً بنيوياً بين مصالح الدول الكبرى وحقوق الإنسان بحسب التوجهات المحلية.
وتتصاعد أصوات المحللين بأن استمرار هذا الوضع دون معالجة جذرية قد يقود إلى تحولات كبرى في سياسة طوكيو تجاه القواعد، خصوصاً مع ارتفاع الوعي المدني وتنظيم الاحتجاجات المتكررة، الأمر الذي قد يجعل هذه الأزمة نقطة تحول مفصلية في العلاقات اليابانية-الأمريكية الأمنية.
ويبقى السؤال المعلّق: هل تكفي قرارات حظر التجول والاعتذارات الدبلوماسية لتهدئة هذه الجزيرة التي أنهكتها عقود من الانتهاكات؟ أم أن الأيام القادمة تحمل قرارات أكثر جذرية قد تعيد رسم خريطة الوجود العسكري الأمريكي في اليابان بالكامل؟

التعليقات