في أمسية تكريمية نظّمها منتدى أصيلة احتفاءً بالكاتبة والناقدة طوني ماريني، قدّم محمد نور الدين أفاية، المفكر وعضو أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، قراءة موسّعة في مسارها الفكري والنقدي، تحت عنوان «كتابات طوني ماريني، راهنية رؤية تفكرية وجمالية»، توقّف فيها عند إسهاماتها في مجال الفن المغربي وما تطرحه من إشكالات كبرى تخصّ الحداثة والهوية والتراث والمثاقفة ودور الصورة في بناء المتخيل الجماعي.
من الصداقة إلى إنتاج الفكر
بيّن أفاية أن علاقة ماريني بالمغرب لم تنشأ من موقع المراقب الخارجي، بل تشكّلت تدريجياً عبر مسار انتقل من الصداقة إلى المشاركة، ثم إلى البحث وإنتاج الفكر، من خلال احتكاكها المباشر بالفنانين والمثقفين وانخراطها في الأسئلة التي كانت تفرضها الثقافة والفن المغربيان.
وقد ارتبطت تجربتها منذ بداياتها بمحاولة فهم الفن المغربي من منظور يتجاوز التصورات الاستعمارية، ويفتح الباب أمام قراءة أكثر استقلالاً للتراث والإبداع، إذ اكتشفت في المغرب «وطناً للفن»، وسعت إلى فهم مظاهره التاريخية المتنوعة ومواكبة تحولاته.
وعي بالموقع وتجاوز التوتر
أشار أفاية إلى أن ماريني كانت واعية بالتوتر الذي تفرضه موقعيتها كامرأة غربية وأجنبية تكتب عن الثقافة المغربية، لكنها تجاوزته — بحسب قراءته — عبر ما أسمته «الانضباط الذاتي النقدي»، فعاشت جدلية العلاقة بين الذات والآخر، وبين الرؤية من الخارج والرغبة في الاندماج داخل فضاء ثقافي جديد.
توسيع أدوات النظر في الظاهرة الفنية
توقّف المفكر المغربي عند أحد أهم رهانات كتابات ماريني، وهو غياب رؤية جامعة ومتعددة الأبعاد لدراسة الفن المغربي، مؤكداً أنها سعت إلى توسيع أدوات النظر في الظاهرة الفنية بالاستفادة من الفلسفة والأنثروبولوجيا والجماليات، بهدف الكشف عن العمق الثقافي والرمزي الذي تختزنه الأعمال الفنية وما تحمله من علامات مرتبطة بالمتخيل الجماعي.
تفنيد فكرة غياب التصوير قبل الاستعمار
استحضر أفاية موقف ماريني من الاعتقاد الشائع بأن التصوير والرسم لم يعرفهما المغرب قبل دخول الأوروبيين، موضحاً أنها واجهت هذا التصور بالبحث في الإنتاج الفني والحرفي السابق على الاستعمار، وإبراز ما راكمه الفنانون والحرفيون المغاربة من إبداع في الرسم والنقش والنسيج والتلوين والتخطيط.
وفي هذا السياق، توقّف عند مفهوم «اقتصاد المتخيل» الحاضر بقوة في قراءتها للفن، باعتباره مجالاً تتراكم داخله آثار الذاكرة والتاريخ والصراعات والانكسارات والاكتشافات، فالأعمال الفنية لا تنفصل عن سياقاتها النفسية والاجتماعية والتاريخية.
تراث تشكيلي بمعنى أوسع
رأى أفاية أن ماريني وسّعت مفهوم التراث التشكيلي ليشمل كل ما يرتبط بالعمل المصبوغ والمرسوم والمخطوط والمنقوش والمنسوج على السطح والمادة الملونة، وهو ما أتاح لها النظر إلى تاريخ الفن المغربي باعتباره مجالاً أوسع من التصنيفات التقليدية، مستندة إلى مرجعيات فكرية ونظرية متعددة، من بينها جيلبير دوران ومفهوم المتخيل، ورودولف أرنهايم ونظريته في الفكر البصري، مع استحضار أسماء أندريه مالرو ووالتر بنيامين وإدوارد سعيد ويورغن هابرماس، وحضور أفكار عبد الكبير الخطيبي في عدد من نصوصها.
الصورة وتحدي الترجمة بين النسقين البصري واللغوي
أوضح أفاية أن ماريني كانت تنظر إلى الصورة باعتبارها أكثر من مجرد شكل بصري، إذ كانت تبحث في ما تكشفه من طبقات الذاكرة والجسد والحركة والمادة والأحاسيس واللغة والألوان، معتبرة أن العمل الفني قادر على التعبير عن جوانب من التجربة الإنسانية يصعب قولها بالكلمات.
وفي هذا الإطار، طرح سؤالاً مركزياً في تجربتها حول كيفية ترجمة نسق بصري بواسطة نسق لغوي مختلف، وكيف يمكن للكتابة عن الفن أن تقترب من «الأطلس البصري» الذي تنتمي إليه الأعمال، في ظل اختلاف لغة الفن عن لغة النقد.
وذكّر بأن ماريني كتبت في مرحلة كان فيها الفن، بحسب تشخيصها، تحت تأثير خطاب أدبي لا يستطيع دائماً الإمساك بخصوصية البصري، إلى جانب إعلام لم يكن ينظر إلى الفن من داخله، وهو ما جعل الكتابة عن الفن تواجه صعوبة الانتقال من الصورة الغائبة إلى اللغة الحاضرة.
شهادة على مختبر التحولات
اعتبر أفاية أن كتابات ماريني تحوّلت مع الزمن إلى شهادة تاريخية حية على واقع الفن المغربي وآماله وإحباطاته وإنجازاته، خصوصاً خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن الماضي إلى أواخر الثمانينيات، وهي مرحلة وصفها بالمختبر الحقيقي للتحولات الثقافية والسياسية والتاريخية التي عرفها المغرب.
وتوقّف عند ملاحظتها بشأن الانتقال من الحماس الذي طبَع التجارب الفنية والفكرية في الستينيات إلى حالة «خيبة أمل» بدأت تؤثر على الحياة الإبداعية والفكرية خلال الثمانينيات.
المثاقفة و«الطرس»: الذات عبر الآخر
تناول أفاية مفهوم المثاقفة في تجربة ماريني، موضحاً أن العلاقات الفنية والثقافية بين المغرب والعالم لم تكن مجرد نقل أحادي الاتجاه، بل فضاءً للتفاعل والاكتشاف المتبادل، حيث تكتشف الذات نفسها من خلال الآخر، وتتقاطع الذاكرات الفنية والثقافية في عملية مركّبة من التأثير والتأثر.
واستحضر في هذا السياق مفهوم «الطرس» (Palimpseste) المرتبط بفكر عبد الكبير الخطيبي، بوصفه صورة للذاكرة الفنية والثقافية التي تتراكم فيها طبقات متعددة من الآثار، بحيث يصبح كل تفكير في الذات مرتبطاً بما ترسّب فيها من تجارب وذاكرات وعلاقات مع الآخر.
وأكد أن ماريني رفضت اختزال العلاقة بين الثقافات في سؤال بسيط حول «من أخذ من الآخر»، معتبرة أن تاريخ الفن مليء بالتبادلات والاقتباسات والاكتشافات المتبادلة بين الحضارات، وأن مقاربة هذه العلاقات من زاوية الشعور بالنقص أو التفوق تحجب حقيقة التفاعل الثقافي المركّب.
خلاصة: الفن مجالاً لفهم المجتمع
اختتم أفاية قراءته بالتأكيد على القيمة الفكرية والنقدية لكتابات طوني ماريني، باعتبارها وثيقة تتجاوز حدود النقد الفني إلى مساءلة تاريخ الفن المغربي وعلاقته بالتراث والحداثة والمثاقفة والذاكرة، فضلاً عن إسهامها في جعل الفن مجالاً لفهم المجتمع وتحولاته، لا مجرد إنتاج جمالي منفصل عن التاريخ والإنسان.

التعليقات