حجب الميراث بين الجهل بالقانون الشرعي وقطع الأرحام
لم تعد قضايا التركات والمواريث مجرد مسألة قانونية عابرة، بل تحولت في كثير من البيوت المصرية إلى أزمات ممتدة تفتك بالروابط الأسرية وتزرع العداوة بين أقرب الأقارب، فعند وفاة المورث تظهر نزاعات لا تنتهي حول توزيع التركة، وتبرز ممارسات خاطئة يرتكبها بعض الأفراد عن جهل بأحكام الشريعة الإسلامية أو بتأويل خاطئ للنصوص الشرعية.
ومن أبرز هذه الظواهر المؤلمة قيام بعض الأمهات بالامتناع عن تسليم الميراث المستحق للأبناء أو لبقية الورثة، وقد يمتد هذا الامتناع لسنوات طويلة، تُبرر فيه الأم فعلها بالحرص على حماية حقوق أطفالها الصغار أو الخوف على مستقبلهم المالي، وهو تبرير يفتح باباً واسعاً للنزاعات الأسرية، وربما يؤدي إلى قطع الأرحام والتباغض بين الأخوة والأقارب، في مشهد يجمع بين ضياع الحقوق وتمزيق صلة الرحم التي أمر الله بصيانتها.
الرؤية الشرعية القاطعة في تأخير قسمة التركات
وفي هذا السياق، تلقت دار الإفتاء المصرية العديد من الاستفسارات القانونية والشرعية حول هذا التصرف الذي يعد خطورة على المستويين الديني والاجتماعي، حيث حرصت المؤسسة الدينية الرسمية على توضيح الرؤية الشرعية بشكل قاطع لا يحتمل الشك أو التأويل.
وأكدت دار الإفتاء أن تأخير قسمة التركات وحرمان الورثة من حقوقهم الشرعية التي فرضها الله عز وجل يُعد من الكبائر والذنوب العظمى، والتي توعد الله فاعليها بعقوبات شديدة في الآخرة، فضلاً عن الآثار الاجتماعية المدمرة التي تلحق بالعائلة الواحدة جراء هذه الممارسات، إذ تتحول العلاقات الأسرية إلى ساحة صراع ومشاحنات قد تستمر لأجيال.
ويستند هذا الحكم الشرعي إلى قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا” (النساء: 58)، وقوله سبحانه: “وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ” (النساء: 2)، فالميراث حق شرعي خالص لا تجوز المماطلة فيه تحت أي ذريعة.
توضيح حاسم من أمين الفتوى بدار الإفتاء
وفي هذا الإطار، تصدى الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، للإجابة عن هذا السؤال الشائك الذي يشغل بال الكثيرين، وذلك خلال إحدى البثوث المباشرة للدار واستفسارات المتابعين.
وأوضح أمين الفتوى بكل حسم أن الميراث حق شرعي ثابت بمجرد وفاة المورث، وينتقل مباشرة إلى الورثة المستحقين له، ولا يجوز لأي شخص، مهما كانت قرابته أو صفته كالأم أو الوصي أو أحد الأقارب، أن يحجب هذا الحق أو يمتنع عن تسليمه لأصحابه.
وشدد الشيخ أحمد وسام على أن الأعذار الواهية مثل صغر سن الأبناء أو الخوف عليهم لا تبيح أبداً الاستيلاء على أموال الآخرين أو تعطيل فرائض الله، فالميراث ليس ملكاً لأحد حتى يتصرف فيه كيفما يشاء، بل هو حقوق ثابتة لأصحابها بأمر من الله سبحانه وتعالى.
مسؤولية الأم القانونية والشرعية تجاه أموال الصغار
وأضاف أمين الفتوى أن حماية أموال الأبناء الصغار وحفظ حقوقهم المالية لا تمنع بأي حال من الأحوال إعطاء كل ذي حق حقه من الورثة الكبار، مبيناً أنه يمكن فصل نصيب الصغار وحفظه في قنوات آمنة، كفتح حسابات بنكية باسمهم، أو استثماره بالطرق الشرعية والقانونية التي تكفل نموه وحفظه، دون المساس بحقوق بقية الورثة أو تجميد التركة لسنوات طويلة.
وأوضح أن الآلية الصحيحة لحفظ حقوق الصغار تتمثل في تعيين وصي شرعي أو ولي أمر من قبل المحكمة المختصة، بحيث يتولى إدارة أموالهم بالشكل الذي يحفظها وينميها، مع تقديم حساب دوري عن إدارته لهذه الأموال، وبذلك تُحفظ حقوق الصغار فعلياً دون أن تُهدر حقوق الآخرين أو تتعطل.
آثار اجتماعية وقانونية وخيمة لتعطيل التوزيع
ويوضح الخبراء أن تجميد التركات لفترات طويلة لا يضر بحقوق الورثة فقط، بل يترتب عليه سلسلة من الآثار السلبية، منها:
- قطع صلة الرحم التي أمر الله بها، ما يؤدي إلى تفكك العائلات وانتشار البغضاء بين الأقارب.
- تراكم النزاعات القضائية أمام محاكم الأسرة، مع ما تستهلكه من وقت وجهد ومال للطرفين.
- ضياع جزء من قيمة التركة نتيجة إهمال الأصول أو تدهورها أو تجميدها دون استغلال اقتصادي.
- الوقوع في الحرام بتصرف أحد الورثة في نصيب غيره دون وجه حق، وهو ما يعد أكلاً لأموال الناس بالباطل.
توصيات دار الإفتاء للمسارعة في قسمة التركات
واختتمت دار الإفتاء تحذيراتها بالتأكيد على أهمية المسارعة في قسمة التركات فور وفاة المورث، لقطع دابر الفتن والمشاحنات منذ اللحظة الأولى، ولم شمل العائلات على طاعة الله ورسوله.
كما دعت إلى ضرورة الرجوع إلى أهل العلم والمتخصصين في المواريث عند حدوث أي إشكال، حفاظاً على الحقوق ودرءاً للنزاعات، فالميراث فريضة محكمة تتطلب تطبيقاً دقيقاً وصادقاً، كما أن الوصية بجزء من المال (في حدود الثلث) يمكن أن تكون حلماً استباقياً لتخفيف الخلافات، مع ضرورة توثيقها كتابةً وتوثيق التركة في وقت مبكر.
وتبقى الرسالة الأهم أن المال وإن كان مطلوباً، فإنه لا يستحق أن يكون ثمن تمزيق الأسر أو معصية الله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله قسم لكل وارث نصيبه”، فلا يجوز لأحد أن يكره الله على حكمه أو يمنع فرائضه بين عباده.

التعليقات