التخطي إلى المحتوى

معرض دمنهور للكتاب في دورته التاسعة.

عندما تتحول الكتب إلى احتفالية للوعي

.

في رحاب مكتبة مصر العامة بدمنهور بمحافظة البحيرة، وفي أجواء ثقافية مفعمة بالشغف والمعرفة، انطلقت فعاليات الدورة التاسعة من معرض دمنهور للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب بالتعاون مع وزارة الثقافة.

لم يكن المعرض مجرد مساحة لعرض الإصدارات، بل تحول إلى منصة فكرية نابضة بالحياة، حطت فيها نخبة من المفكرين والكتّاب والفنانين لتبادل الرؤى مع الجمهور.

وبرزت خلال الفعاليات ندوة جماهيرية واسعة، جاءت ضمن سلسلة ندوات فكرية حماسية جذبت اهتمام رواد المعرض وزواره على مدار أيام انعقاده، وسط حضور شعبي كثيف يعكس شغف أهالي المحافظة والمعرفة والانفتاح على الأنشطة الثقافية المتنوعة التي تحرص وزارة الثقافة على تقديمها في مختلف أرجاء الجمهورية.

مكتبة الأب.

النواة الأولى لصناعة الوعي الثقافي

.

خلال الندوة، التي ضمت نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي، كشف الكاتب والفنان محمد خميس أن علاقته بالقراءة والكتابة لم تكن وليدة الصدفة، بل انطلقت مبكراً من داخل البيت، وتحديداً من مكتبة والده الخاصة التي شكلت وجدانه.

وأوضح «خميس» أن تواجده وسط هذه الكمية الكبيرة من الكتب والمراجع منذ نعومة أظافره كان لها الدور الأبرز في صياغة وعيه الثقافي والفكري، وهو ما زرع بداخله حب البحث والاطلاع، وجعله ينظر إلى العالم بمنظور مختلف يعتمد على الفهم والتحليل لا على التلقي السلبي.

وأضاف في سياق حديثه أن القراءة المبكرة تمنح الإنسان «عدة النظر» إلى الحياة، وأن ما اكتسبه من مكتبة والده كان أشبه ببذور نُثرت في تربة نفسية خصبة، نبتت لاحقاً في صورة إصدارات وأعمال فنية تحمل بصمته الخاصة.

فن الحكواتي.

مفتاح سحري لجذب الأجيال الجديدة إلى التاريخ

.

وفي حديثه عن تبسيط العلوم التاريخية للنشء والشباب، شدد محمد خميس على أن سرد القصص والحكايات التاريخية بأسلوب مشوق ومبسط يُعد المفتاح السحري الأهم لتقريب العصور المختلفة من أذهان الأجيال الجديدة.

وأشار إلى أن الاعتماد على لغة «الحكي» الإبداعي يكسر حاجز الجمود الذي يحيط بالكتب التاريخية الأكاديمية، ويحوّل الشخصيات والأحداث إلى قصص حية تنبض بالحياة، مما يسهل على الشباب استيعاب الدروس المستفادة والارتباط بهويتهم الوطنية بعيداً عن الطرق التقليدية الجامدة.

كما لفت إلى أن الحكواتي لا ينقل المعلومة بل يبث فيها روحاً، فيصبح الحدث التاريخي أقرب إلى تجربة عاشها المستمع لا إلى معلومة حفظها، وهو ما يفسر استجابة الأطفال والفتيات والفتيان على حد سواء لهذا النوع من السرد.

إقبال جماهيري واسع على فعاليات معرض دمنهور للكتاب

تأتي هذه الندوة ضمن سلسلة غنية من الفعاليات الثقافية والفنية التي يشهدها المعرض في دورته الحالية، والتي تلقى اهتماماً كبيراً ومتابعة واسعة من أهالي محافظة البحيرة والمحافظات المجاورة، في مشهد يؤكد أن الكتاب ما زال مقصداً جماهيرياً حقيقياً.

ويحرص المعرض كل عام على استقطاب رموز الفكر والأدب والفن، ليقدم وجبة ثقافية دسمة تسهم في نشر الوعي وبناء الإنسان المصري، ضمن استراتيجية الدولة الثقافية الشاملة التي تهدف إلى إتاحة المعرفة في مختلف المحافظات وربط الجمهور بالكتاب عبر التجربة المباشرة.

معرض دمنهور للكتاب: أرقام ودلالات

وتكشف متابعة الدورات السابقة لمعرض دمنهور للكتاب عن تنامٍ ملحوظ في حجم المشاركة من دور النشر والجهات الثقافية، وفي عدد الندوات وورش العمل والأنشطة المخصصة للأطفال، وهو ما يعكس تحولاً في فلسفة المعارض المحلية من كونها أسواقاً للكتب إلى فضاءات للنقاش والتلاقي المجتمعي.

ويساهم المعرض في تعزيز الصلة بين القارئ والكتاب في المحافظات بعيداً عن مركزية القاهرة، إذ يتيح الفرصة أمام أبناء البحيرة والدلتا للالتقاء بالكتّاب مباشرة، والاستماع إلى تجاربهم، والمشاركة في حوارات تحفّز على القراءة والتفكير النقدي.

كما يمثل الحدث مساحة مهمة لدعم الناشرين المحليين، وطرح الإصدارات الجديدة، وتقديم إصدارات مخصصة للنشء، بما يخدم جهود بناء وعي ثقافي متجدد ومستدام.

خلاصة الندوة

يكاد المشهد في معرض دمنهور للكتاب يختصر فكرة جوهرية: أن الوعي لا يُبنى بالبيانات وحدها، بل بالمكتبات التي نتربى بين رفوفها، وبالحكايات التي تصل إلى القلب قبل العقل.

وهكذا، يجمع الحدث بين صفحة مطبوعة وروح حكواتي ومكتبة أب، ليخرج زائره بأكثر من مجرد كتاب: يخرج بفكرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *