التخطي إلى المحتوى

مقدمة: تحوّل في الفهم العلاجي

لسنوات طويلة، تبنّيت منظوراً علاجياً يقوم على فرضية أن الاضطراب النرجسي والسيكوباتي نتيجة مباشرة لأسر مسيئة، وأن تقديم التعاطف غير المشروط والصبر والمواجهة الحنونة بجرعات تدريجية كفيل بكسر الدفاعات النفسية وإصلاح هؤلاء الأشخاص وتمكينهم من عيش حياة طبيعية مع أنفسهم ومن حولهم.

كان ذلك المنظور مستلهماً من أعمال مدرستين رائدتين في التحليل النفسي: هاينز كوهت صاحب نظرية «الذات» وتعاطفها العلاجي، ودونالد وينكوت رائد مفهوم «الأم الجيدة كفاية» و«البيئة الحاضنة».

لكن التجربة العملية المباشرة مع هذه الفئة، بحلوها ومرّها، قادتني إلى اعتراف صريح: كنت مخطئاً تماماً.

السنوات التي قضيتها في تطبيق هذا النموذج كشفت لي حقيقة أخرى أكثر قتامة وأقل رومانسية.

ما الذي كشفته التجربة؟ التعاطف كمصدر للافتراس

المفارقة الصادمة التي اكتشفتها أن كل جرعة تعاطف تُقدَّم لهذه الفئة تُقابَل بافتراس لا بامتنان.

هؤلاء الأشخاص نادراً ما يأتون للعلاج بدافع حقيقي للإصلاح، ولا يعترفون بأنهم يعانون اضطراباً إلا عندما يتحطّم واقعهم بالكامل ويكرههم محيطهم بأكمله.

حتى في تلك اللحظة، فإن ما يبحثون عنه ليس علاجاً بل معالجاً يؤمّن على دور الضحية الذي يغرقون فيه، ويبرّر كل تصرفاتهم المسيئة.

العلاقة العلاجية في هذه الحالة تتحول إلى شيء مختلف جوهرياً: المعالج يتحول إلى «حائط مبكي» ينفضون عليه قذارتهم النفسية ويغسلون به عارهم، وإلى «سلة مهملات نفسية» يتخلصون فيها من كل ما يثقلهم، مقابل رشوة مالية.

هذا ليس علاجاً بل استخداماً أداةً للتفريغ والتمويه.

فرضية التكوين البيولوجي: هل يولد النرجسي هكذا؟

الفكرة الأكثر إزعاجاً التي وصلت إليها هي أن هؤلاء يولدون بحقد وحسد وجوع نرجسي تكويني بيولوجي، أي أنها مكوّن سابق لكل تجربة تنشئة.

في هذا الإطار، لا تستطيع أم ولا أب ولا معالج أن «يعالج» هذا الشخص، تماماً كما لا يمكن إصلاح إعاقة جسدية بالمحبة أو الصبر.

قد تكون أسرهم بالفعل مسيئة، لكن الفارق الجوهري أنهم لا يتجهون نحو التعافي النفسي، بل ينسخون الإساءة داخلهم ويعيدون إنتاجها على الآخرين.

هنا يظهر السؤال الحاسم: لماذا يمرّ كثيرون بنفس التجارب المؤلمة ومع ذلك لا يتحولون إلى «مصاصي دماء» نفسية؟ وجود من يمرّون بنفس الظروف دون أن يصبحوا كذلك ينسف فرضية التنشئة الخالصة، ويشير إلى عامل تكويني أسبق.

أصوات علمية مؤيدة: من كوهت إلى هير

هذا التصور ليس انطباعاً فردياً، بل يتفق مع نخبة من الباحثين والعياديين المتخصصين:

  • أوتو كرنبرغ (Otto Kernberg): ميّز منذ عقود بين «النرجسية الحدّية» القابلة للعلاج في بعض الحالات، وبين النرجسية الخبيثة الأكثر تعنتاً وصعوبة في التحوّل.
  • دوغلاس (روبرت هير في الحقيقة): عمل روبرت هير أكثر من 30 عاماً مع السيكوباتيين والنرجسيين، وألّف كتاب «صائد الأفكار» (يصوّر فيه بنية العقل السيكوباتي وغياب التعاطف الوجداني الدائم).
  • روبرت هير (Robert Hare): مطوّر «مقياس هير للسيكوباتية» (PCL-R)، ويصرّ على أن خصائصهم أكثر ثباتاً واستعصاءً من أن تُصلح بالتعاطف.
  • سامينو: في الأدبيات المتخصصة، يشدد على الطابع الافتراسي المميّز لهذه البنية النفسية.

الاستنتاج المشترك: هؤلاء مفترسات بشرية، والمقاربة التي تتعامل معهم كضحايا يستحقون تعاطفاً غير محدود إنما تمدّهم بالوقود مجاناً.

سؤال المعالجة: هل نعالج الجلاد بدل الضحية؟

السؤال الأصعب الذي يطرح نفسه: هل من الحكمة أن تذهب طاقة المعالجين والموارد النفسية المحدودة نحو «إصلاح الجلاد»، بينما يترك الضحايا دون تقوية؟ إعادة توزيع الطاقة العلاجية دفاعاً عن فكرة التعاطف غير المشروط مع المفترسين قد تكون إهداراً مكلفاً لموارد نادرة.

الخلاصة: اجعل الضحية تبني عضلاتها

خلاصة الأمر قول ينبغي أن يعلق في الذاكرة: «على الضحية أن تبني عضلاتها، وليس على الضبع أن يفك أنيابه».

إن فهم الطبيعة التكوينية لهذه الاضطرابات يحرّر الضحايا من الوهم بأن علاجاً صبوراً سيكشف عن «إنسان طيب في الداخل».

الواقع قد يكون أبسط وأقسى: بعض المفترسين النفسيين يتعافون بالبُعد والحماية والحدود، لا بالشفقة والوصول إلى الداخل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *