التخطي إلى المحتوى

منتدى أصيلة: خمسة عقود من الثقافة والحوار وصناعة الأفكار كقوة ناعمة للمغرب

على الساحل الأطلسي، وفي مدينة صغيرة تُدعى أصيلة، وُلد قبل نحو خمسة عقود مشروع ثقافي طموح تجاوز حدود مدينته الضيقة ليصبح موعداً سنوياً بارزاً يستقطب سياسيين ومفكرين وأدباء وفنانين وشخصيات دبلوماسية من المغرب وخارجه.

وعلى مدى 47 عاماً، نجح هذا المنتدى في تحويل الثقافة إلى جسر للحوار، وجعل من مدينته فضاءً مفتوحاً على القضايا العربية والإفريقية والدولية.

سر الاستمرارية: بين الحفاظ على الهوية والتجديد

يعتبر حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن استمرار هذه التجربة لعقود طويلة لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة مشروع جمع منذ انطلاقته بين الاستمرارية والتجديد، وبين الحفاظ على هوية المنتدى والانفتاح على التحولات العالمية المتسارعة.

ويوضح البطيوي أن أصيلة نجحت منذ انطلاق المنتدى سنة 1978 في تقديم برنامج متنوع، يحرص في كل دورة على طرح أفكار وقضايا جديدة.

ويشدد على أن استمرارية أي مشروع ثقافي تتطلب الصبر والعزيمة وبعد النظر، إلى جانب القدرة على التطوير المتواصل من سنة إلى أخرى بدل الوقوف عند حدود التجربة الأولى.

وبمرور السنوات، تحول المنتدى إلى أحد أبرز مصادر الإشعاع الثقافي للمدينة وللمغرب، بعدما أصبح اسمه معروفاً في العالم العربي وإفريقيا وأوروبا، ووصل حضوره إلى دوائر فكرية وثقافية وسياسية مختلفة.

إفريقيا في قلب أجندة المنتدى

تحتل القضايا الإفريقية موقعاً بارزاً في أجندة المنتدى، إذ يرى البطيوي أن أصيلة كانت من بين الفضاءات السباقة إلى لفت الانتباه إلى أهمية القارة ومستقبلها، في وقت لم تكن إفريقيا تحظى بالاهتمام الذي تحظى به اليوم.

ووفق الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، فإن إفريقيا لا ينبغي أن تُختزل في صور الفقر والأزمات، فهي قارة غنية بمواردها الطبيعية وبطاقاتها البشرية، وتمثل جزءاً أساسياً من مستقبل العالم.

غير أنها تحتاج إلى حكامة جيدة وإلى سياسات تضمن كرامة الإنسان الإفريقي وتحسّن ظروف عيشه.

وانطلاقاً من هذا التصور، ظل المنتدى يفتح النقاش حول مستقبل القارة، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والمياه والتبادل الحر بين الدول الإفريقية، فضلاً عن المشاريع الاستراتيجية الكبرى المرتبطة بالتنمية والتكامل والربط بين دول القارة ومحيطها.

ثقافة لا تنفصل عن التحولات السياسية والاقتصادية

لم تعد الثقافة، في تجربة منتدى أصيلة، منفصلة عن التحولات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

فقد اتسعت دائرة النقاش لتشمل السياسة والدبلوماسية والجيوستراتيجية ومستقبل المنطقة، إلى جانب الأدب والفن والفكر.

ويؤكد البطيوي أن المثقف لا يمكن أن يكون منفصلاً عن واقعه، ولذلك يحرص المنتدى على مواكبة القضايا التي تشغل المجتمعات، من الطاقة والمياه والاقتصاد إلى التحولات الإقليمية والدولية، دون التخلي عن وظيفته الأساسية باعتباره فضاءً للفكر والثقافة والإبداع.

«عائلة فكرية ودبلوماسية» تجمعها أصيلة

بمرور الوقت، لم يعد المنتدى مجرد فضاء للندوات واللقاءات، بل أصبح أيضاً مجالاً لبناء علاقات إنسانية وفكرية بين المشاركين.

ويصف البطيوي عدداً من ضيوف أصيلة بأنهم أصبحوا بمثابة «عائلة فكرية ودبلوماسية»، بعدما اعتاد بعضهم العودة إلى المدينة عاماً بعد آخر، وتطورت بينهم علاقات وصداقات تجاوزت فترة انعقاد المنتدى.

ويرى أن نجاح أي تجربة ثقافية لا يُقاس فقط بعدد الندوات أو المشاركين، وإنما بقدرتها على إنتاج أفكار وحوارات وعلاقات تستمر بعد انتهاء الفعاليات.

فضاء للأفكار لا لصناعة القرار

على الرغم من حضور شخصيات سياسية ودبلوماسية وفكرية بارزة، يوضح البطيوي أن منتدى أصيلة لا يقدم نفسه باعتباره جهة لصناعة القرار، وإنما فضاءً لطرح الأفكار ولفت الانتباه إلى القضايا التي تهم الإنسان العربي والإفريقي.

ويضيف أن مهمة المنتدى تتمثل في فتح المجال للنقاش وتبادل الآراء، بينما تظل مسؤولية اتخاذ القرار من اختصاص الجهات المعنية.

ومع ذلك، فإن الأفكار التي تُطرح في أصيلة تجد طريقها إلى الإعلام والنخب والمسؤولين، بما يمنحها امتداداً يتجاوز المدينة وفترة انعقاد المنتدى.

أصيلة والقوة الناعمة المغربية

في هذا السياق، يرى البطيوي أن منتدى أصيلة يمثل إحدى صور القوة الناعمة للمغرب، من خلال قدرته على جمع شخصيات تنتمي إلى بلدان وثقافات مختلفة داخل مدينة مغربية صغيرة، وخلق فضاء للحوار حول قضايا مشتركة.

كما يعتبر أن الاهتمام الرسمي بالمنتدى، والعناية التي يوليها الملك محمد السادس لهذه التظاهرة، يشكلان دعماً مهماً للمشروع، ويعكسان المكانة التي يمكن أن تحتلها الثقافة والفكر والفن في تعزيز الإشعاع المغربي.

انفتاح على الجمهور وتقريب النخب

من السمات التي حافظ عليها المنتدى أيضاً انفتاحه على الجمهور، من خلال إتاحة الفرصة للناس لحضور النقاشات والالتقاء مباشرة بشخصيات اعتادوا متابعتها عبر شاشات التلفزيون أو صفحات الصحف.

ويعتبر البطيوي أن هذا التواصل المباشر يساهم في تقريب النخب من الجمهور، ويتيح للناس الاستماع إلى المفكرين والسياسيين والمثقفين مباشرة، والتعرف على آرائهم بشأن القضايا التي تشغل المنطقة والعالم.

المثقف في زمن التحول الرقمي

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يرى البطيوي أن صورة المثقف وأدواته تغيرت بدورها، مؤكداً أن لكل مرحلة مثقفيها ومفكريها، وأنه لا يمكن وضع مثقف اليوم في مواجهة مثقف الأمس.

فكل جيل، بحسب رؤيته، هو نتاج للظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي عاشها، في وقت فرض فيه الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وانتقال الصحافة من الورق إلى المنصات الإلكترونية واقعاً جديداً يغير أدوات المثقف وطريقة تفاعله مع الجمهور والمجتمع.

خصوصية المدينة: لماذا أصيلة تحديداً؟

لا ينفصل نجاح منتدى أصيلة عن خصوصية المدينة نفسها، إذ ساهم صغر حجمها، وجمال مدينتها العتيقة، وموقعها الجغرافي وقربها من طنجة والرباط، في توفير بيئة مناسبة لاستقبال المفكرين والمثقفين والضيوف من مختلف أنحاء العالم.

ويرى البطيوي أن تجربة أصيلة لا يمكن نسخها بالضرورة في مدن أخرى، لأن لكل مدينة خصوصيتها وهويتها وإمكاناتها، مستشهداً بتجارب مغربية أخرى استطاعت أن تجعل الثقافة جزءاً من هوية المكان، مثل فاس التي ارتبط اسمها بمهرجان الموسيقى الروحية، والصويرة التي ارتبطت بمهرجان كناوة وموسيقى العالم.

أما أصيلة، فقد أصبح منتداها جزءاً من هوية المدينة، وبات اسم «منتدى أصيلة» يحيل مباشرة إلى المكان الذي احتضن هذه التجربة الثقافية لعقود.

حاتم البطيوي: مسار بين الصحافة والعمل الثقافي

يأتي حضور حاتم البطيوي في قيادة مؤسسة منتدى أصيلة امتداداً لمسار جمع بين الصحافة والعمل الثقافي.

فقد ولد بمدينة أصيلة في 18 يونيو 1966، وتلقى تعليمه الأولي والثانوي بها، قبل أن يحصل على إجازة في العلوم السياسية من كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1989.

ومنذ سنوات شبابه، ارتبط بالعمل الثقافي، إذ التحق سنة 1979 بجمعية المحيط الثقافية، التي أصبحت لاحقاً مؤسسة منتدى أصيلة، قبل أن يراكم تجربة مهنية في مجال الصحافة، ارتبط خلالها اسمه بصحيفة «الشرق الأوسط»، وتولى عدداً من المسؤوليات الصحفية والتحريرية.

كما ارتبط اسمه بكتاب «نصف قرن تحت مجهر السياسة»، الذي تناول مذكرات عبد الهادي بوطالب، مستشار الملك الراحل الحسن الثاني، فيما حصل سنة 2014 على وسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط.

وفي مارس 2025، انتُخب أميناً عاماً لمؤسسة منتدى أصيلة، خلفاً لمؤسسها الراحل محمد بن عيسى، ليتولى مسؤولية مواصلة مشروع ثقافي ارتبط باسم المدينة لعقود.

خاتمة: تجربة ارتبطت باسم المدينة

بين الصحافة والثقافة والفكر، يواصل البطيوي الإشراف على مسار مؤسسة منتدى أصيلة في مرحلة جديدة، عنوانها الحفاظ على هوية التجربة مع مواصلة التجديد والانفتاح على قضايا المستقبل.

وبعد 47 عاماً، لم يعد منتدى أصيلة مجرد موعد ثقافي يتجدد كل عام، بل أصبح تجربة ارتبطت باسم المدينة نفسها، وأثبتت أن الثقافة قادرة على صناعة الإشعاع، وأن الحوار يمكن أن يتحول إلى جسر يصل المغرب بمحيطه العربي والإفريقي والدولي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *