مع حلول ذكرى ملحمة العزة والكرامة، تتكشف يومًا بعد يوم أسرار جديدة عن بطولات أبناء القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، حيث يروي أبطال الكنانة بطولات خالدة ظلت محفورة في ذاكرة التاريخ.
وفي هذا السياق، كشف أحد رموز سلاح المدفعية الباسل عن تفاصيل دقيقة ودور استراتيجي حاسم لعبه هذا السلاح الفتاك في دك تحصينات العدو وتغيير دفة المعركة لصالح صقور مصر الباسلة.
القوة الضاربة: كيف حطمت مدفعية أكتوبر أسطورة خط بارليف؟
أكد العميد محمد عبد القادر، أحد أبطال سلاح المدفعية في حرب أكتوبر المجيدة، أن السر وراء تفوق هذا السلاح يكمن في قدرته الهائلة على المناورة وقوة نيرانه المرعبة.
وأوضح أن الدور الرئيسي للمدفعية تمثل في تنفيذ التمهيد النيراني الأسطوري الذي سبق لحظة العبور التاريخية، حيث تكللت الجهود بتدمير الحصون ومراكز القيادة الإسرائيلية ذات التدريع العالي، مما فتح الطريق واسعًا أمام قوات المشاة لاجتياح المانع المائي وتحقيق النصر المبين.
لعب سلاح المدفعية المصرية دورًا محوريًا في الساعات الأولى من الحرب، إذ بدأ القصف المدفعي المكثف في الساعة الثانية بعد الظهر يوم السادس من أكتوبر 1973، واستمر لأكثر من خمسين دقيقة متواصلة، شاركت فيه نحو ألفي مدفع من مختلف العيارات والأنواع.
وقد استهدفت هذه النيران الكثيفة الأهداف الحيوية على طول خط بارليف، بما في ذلك الدشم الخرسانية والمواقع الحصينة ونقاط المراقبة والاشتباك التابعة للعدو، مما أحدث ارتباكًا هائلًا في صفوفه وأفقد قيادته القدرة على التنسيق والمناورة والتوجيه في اللحظات الحرجة.
اعتمدت القوات المصرية على أساليب مبتكرة في استخدام المدفعية، من بينها الانتشار المدروس للمدفعيات على طول الضفة الغربية للقناة، وتطبيق مبادئ التركيز النيراني على الأهداف المصيرية، إضافة إلى استخدام القصف المضاد للبطاريات المعادية لتعطيل قدرتها على الرد.
وقد أسهمت هذه التكتيكات المتقدمة في تحقيق التفوق الناري المطلوب وتعطيل منظومة الدفاعات الإسرائيلية التي كانت تُعد من الأقوى في المنطقة.
معاونة القوات الباسلة في أرض المعركة
ولم يقتصر دور مدفعية العزة على التمهيد النيراني فحسب، بل امتد ليشمل المعاونة النارية المستمرة للقوات أثناء تقدمها في سيناء الحبيبة، لتظل الدرع الحامي والكتف القوي الذي استندت إليه قواتنا المسلحة في كل خطوة نحو تحرير الأرض.
وقد واصلت وحدات المدفعية مرافقتها للقوات المهاجمة عبر رؤوس الكباري، مقدمةً دعمًا ناريًا مباشرًا ضد التحصينات المعادية التي أعاقت تقدم المشاة والمدرعات، ما مكّن القوات من توسيع رؤوس الكباري وتثبيت مواقعها على الضفة الشرقية للقناة.
شهدت المعارك اللاحقة أدوارًا متعددة للمدفعية، حيث تكفلت بصد الهجمات المضادة الإسرائيلية التي حاولت اختراق الخطوط المصرية، خاصة في معارك الثغرة، حيث وفرت كثافة نارية عالية حمت القوات المصرية وأعاقت تقدم القوات المعادية.
كما ساعدت المدفعية بمرونة في دعم العمليات الهجومية عند استئناف القتال، مما يجعلها أحد الأسلحة الأكثر تأثيرًا في الحفاظ على زخم المعركة وحماية الأرواح.
ويبقى سلاح المدفعية أحد أبرز رموز العبقرية العسكرية المصرية، حيث جمع بين الانضباط في التنفيذ والإبداع في التخطيط والشجاعة في الميدان.
وتظل هذه الشهادات الحية بمثابة منارة للأجيال الجديدة لتعرف حجم التضحيات التي قدمها أبطال القوات المسلحة من أجل بقاء راية الوطن خفاقة وعالية، ودرسًا خالدًا في أن الإرادة الصلبة والعمل الجماعي قادران على صناعة المستحيل.

التعليقات