التخطي إلى المحتوى

لم تعد حماية الأبناء مسؤولية يتحملها المنزل والمدرسة وحدهما، ولا تكفي فيها مراقبة الشاشات وشدة الرقابة على ما يشاهده الأبناء على هواتفهم، فالمواجهة الحقيقية تبدأ من داخل البيت، حيث تُبنى الأسرة التي تعرف كيف تستمع وتتحاور وتحتوي وتضع الحدود الآمنة دون أن تقطع جسور الثقة مع أبنائها.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، نظّم فرع المجلس القومي للمرأة بجنوب سيناء ندوة توعوية بمقر المجلس حول أهمية دور الأسرة في حماية المجتمع، بحضور الدكتورة نها الحسيني، مقررة فرع المجلس بجنوب سيناء، حيث ناقشت الندوة عدداً من القضايا الاجتماعية التي تمس الأسرة بشكل مباشر، وفي مقدمتها مشكلات التواصل بين الآباء والأبناء، والتحديات التي فرضتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على الحياة الأسرية.

وركّزت الندوة على ضرورة إعادة بناء لغة الحوار داخل الأسرة باعتبارها الوسيلة الأكثر فاعلية لاكتشاف ما يواجهه الأبناء من مشكلات قبل أن تتفاقم، مع التأكيد على أن الاحتواء والاستماع الجيد لا يقلان أهمية عن التوجيه والنصح.

وأكدت الدكتورة نها الحسيني أن الأسرة تمثل نقطة البداية في بناء شخصية الأبناء وقدرتهم على التعامل مع المتغيرات المحيطة بهم، مشيرة إلى أن التطور التكنولوجي أتاح فرصاً واسعة للتعلم والمعرفة والتواصل، لكنه في المقابل أوجد تحديات جديدة تتطلب وعياً أسرياً مستمراً.

وأوضحت أن الحماية لا تعني المنع المطلق، وإنما تعني أن يمتلك الأبناء الوعي الذي يمكّنهم من التمييز بين ما ينفعهم وما قد يعرضهم للخطر، وأن يكون الآباء قريبين منهم بما يكفي ليحدثوهم عن تجاربهم على الإنترنت ووسائل التواصل دون خوف أو تردد.

وأضافت أن بناء علاقة متوازنة بين الآباء والأبناء يتطلب الاستماع قبل إصدار الأحكام، والحوار قبل العقاب، والثقة المصحوبة بالمتابعة الواعية، مؤكدة أن الأبناء عندما يجدون داخل أسرهم مساحة آمنة للحديث، يصبح من الأسهل عليهم طلب المساعدة والإفصاح عما يواجهونه من مواقف أو ضغوط.

وتناولت الندوة كذلك عدداً من النماذج والمواقف المستمدة من واقع الحياة، بهدف تقريب الصورة إلى الشباب وإتاحة مساحة للنقاش حول كيفية التعامل مع المواقف اليومية التي قد يواجهونها، خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتداخل العالم الافتراضي مع تفاصيل الحياة اليومية.

وأشارت مقررة فرع المجلس إلى أن رفع وعي الشباب لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المعلومات، وإنما يجب أن يرتبط بمواقف واقعية تساعدهم على اتخاذ القرار السليم، موضحة أن الوعي الحقيقي يظهر عندما يستطيع الإنسان استخدام ما تعلمه في حماية نفسه وأسرته ومجتمعه.

وتأتي الندوة في إطار جهود المجلس القومي للمرأة للتوعية المجتمعية، وفي ضوء مبادرتي «أنا متعلم مدى الحياة» و«بالوعي نحميها»، بما يدعم نشر ثقافة الوعي داخل الأسرة وتعزيز قدرتها على التعامل مع القضايا المستجدة التي تواجه الأبناء والمجتمع.

وشدّدت الدكتورة نها الحسيني على أن الأسرة الواعية ليست فقط أسرة تحمي أبناءها من الخطر، وإنما أسرة تمنحهم الأدوات التي تجعلهم قادرين على حماية أنفسهم عندما يغيب عنها الرقيب، مؤكدة أن بناء الوعي مسؤولية مشتركة تبدأ من المنزل وتمتد إلى المدرسة والمجتمع، وأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من بناء إنسان واعٍ قادر على الاختيار وتحمل المسؤولية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *