التخطي إلى المحتوى

في قراءة سياسية استراتيجية نادرة، خرج الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، بتصريحات توصف بأنها حاسمة، كشف فيها عن قراءته العميقة لطبيعة الصراع اليمني، مسلطاً الضوء على الحدود الفعلية للنفوذ الميداني لجماعة الحوثي المدعومة من طهران، وسط موجات متضاربة من الأنباء حول سيطرتها على مساحات واسعة وتحولات متسارعة على الأرض.

قراءة في موازين القوى داخل الساحة اليمنية

تأتي هذه التصريحات في وقت تشتد فيه الحاجة إلى تفكيك الصورة الإعلامية الضبابية، إذ روجت تقارير عديدة لتصوير الجماعة الحوثية كطرف يمتلك اليد العليا بعد تحقيقات ميدانية في بعض الجبهات.

غير أن قراءة الفيصل، بخلفيته الاستخباراتية الطويلة، ركزت على التفريق بين التقدم التكتيكي المحدود والتوازن الاستراتيجي الشامل، موضحاً أن السيطرة على أرضية جغرافية لا تعني بالضرورة حسم الصراع أو فرض شروط سياسية نهائية.

ورأى محللون متابعون أن هذا الطرح يعيد الاعتبار لفكرة أن الصراع في اليمن ليس معركة واحدة على جبهة واحدة، بل شبكة معقدة من التوازنات القبلية والمناطقية والدولية، تتداخل فيها الشرعية المحلية بالحسابات الإقليمية بالتوازنات الدولية، ما يجعل من الصعب الحديث عن “منتصر واحد”.

اليمن بين الجغرافيا والاستراتيجيا: لماذا لا تُحسم المعركة؟

يضم اليمن تضاريس جبلية وعرة وسهولاً ساحلية ممتدة، وهي طبيعة جغرافية تمنح أي قوة مسيطرة على مدن معينة قدرة على الاستنزاف لا على الحسم.

فالتنوع الطائفي والاجتماعي والقبلي يجعل من التمدد الحوثي في بعض المحافظات مصدر عبء إداري وأمني بقدر ما هو مكسب عسكري، خاصة مع تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع تكلفة إدارة المناطق الخاضعة للجماعة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يظل ملف الموانئ والمعابر الحدودية وعائدات النفط والغاز ورقة مركزية في أي تسوية محتملة، إذ تتحكم في قدرة أي طرف على تمويل حربه أو إدارة شعبه.

أما إيران، فتُنظر إليها كداعم لوجستي وتقني رئيسي للجماعة، وهو عامل يعقّد أي مسار تفاوضي ويجعل الصراع اليمني مرتبطاً بملفات إقليمية أوسع، من الاتفاق النووي إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

هل يملك الحوثيون أدوات حسم المعركة؟

يفنّد التحليل الشامل فكرة الجماعة “التي لا تُقهر”، إذ يستند الواقع الميداني إلى مؤشرات عدة: القدرة على الاستمرار في القتال في أكثر من جبهة في وقت واحد، واستقلالية القرار السياسي، وقاعدة اجتماعية عريضة ومتماسكة، وهي مقومات لا تتوفر لأي طرف في الصراع اليمني بالكامل.

ويشير خبراء الشأن اليمني إلى أن قراءة شخصية بحجم الأمير تركي الفيصل، بما تملكه من تجربة في ملفات الإقليم، تمنح تصوراً أكثر دقة يبعد الرأي العام عن التبسيط الإعلامي، ويوضح من يمسك فعلياً بخيوط اللعبة في الميدان الملتهب.

يُضاف إلى ذلك أن أي حسم نهائي للصراع يبدو بعيداً ما لم تتحقق معادلة تشمل: اتفاق على تقاسم السلطة أو ترتيبات انتقالية، وضمانات دولية وإقليمية لتنفيذ أي تسوية، وربط الملف اليمني بمسار تخفيف التوترات الإقليمية.

وتبقى الكلفة الإنسانية — من نزوح وانعدام للخدمات وتدهور اقتصادي — العامل الأكثر إلحاحاً الذي يفرض على جميع الأطراف العودة إلى طاولة التفاوض في نهاية المطاف.

في المحصلة، لا تبدو إجابة سؤال “من له الكلمة العليا في اليمن؟” أحادية، بل تبقى رهينة توازنات متغيرة، حيث تتقدم قراءة الفيصل كإطار لفهم حقيقة النفوذ بعيداً عن الضجيج، وتذكير بأن الصراع اليمني أعمق من أن يُختصر في طرف واحد أو معركة واحدة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *