لم يعد الأسلوب الذي يتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع تصريحاته السابقة أمراً عابراً، بل تحوّل إلى سمة ثابتة من سمات أدائه السياسي.
فمع كل أزمة تتصدر المشهد الدولي، ولا سيما الملف الإيراني، يعود ترامب ليعيد صياغة ما قاله سابقاً وكأنه لم يقله يوماً، في محاولة دائمة لتقديم رواية جديدة تُلائم اللحظة الراهنة بدلاً من الالتزام بما وثّقته الكاميرات والصحف.
إعادة تدوير الوقائع: تكتيك متكرر
يبدو أن الرئيس الأمريكي يعتمد استراتيجية واضحة لإعادة تدوير الوقائع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتقديراته لمدى الصراعات المسلحة ومدة استمرارها.فعند الحديث عن المواجهة مع إيران، يلجأ ترامب إلى إعادة تقديم تصريحاته القديمة في قالب جديد يبدو أكثر تفاؤلاً وأقصر من الناحية الزمنية، محاولاً إقناع الرأي العام بأن رؤيته كانت دائماً مبنية على مواجهات محدودة وسريعة، وهو ما يتعارض مع السجلات الصحفية الموثقة التي تحتفظ بكلماته الأصلية.
لماذا يلجأ إلى هذه الاستراتيجية؟
ثمة دوافع متعددة تفسر هذا السلوك.أولها الضغط الداخلي في الشارع الأمريكي، الذي يخشى الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد قد تكلف الإدارة سياسياً واقتصادياً.
وثانيها الرغبة في الحفاظ على صورة القائد الذي يتحكم في مسار الأحداث ولا يفقد بوصلته.
وثالثها محاولة إرباك الخصوم، إذ إن تغيير الرواية يجعل من الصعب على الخصم التنبؤ بالخطوة التالية أو محاسبة الرئيس على وعوده السابقة.
الأثر على مصداقية واشنطن
لا تقتصر تداعيات هذا النهج على الداخل الأمريكي فحسب، بل تمتد إلى مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية.فالحلفاء والخصوم على حد سواء يراقبون هذا التناقض بين ما يُقال وما يُنفَّذ، ما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي.
وهذه الحالة قد تدفع دولاً عدة إلى إعادة تقييم التزاماتها واعتماد سياسات أكثر تحوطاً تجاه واشنطن، خصوصاً في ملفات حساسة مثل الملف النووي الإيراني والترتيبات الأمنية في الخليج.
بين الذاكرة السياسية والتوظيف الإعلامي
يطرح هذا السلوك سؤالاً أوسع حول العلاقة بين السياسة والذاكرة الجماعية.فالتصريحات العلنية ليست مجرد كلمات عابرة، بل تشكل جزءاً من الذاكرة السياسية التي يبني عليها الرأي العام أحكامه.
وعندما يُعاد كتابة هذه الذاكرة باستمرار، تصبح المساءلة أمراً صعباً، ويصبح الخطاب السياسي أكثر مرونة وأقل التزاماً.
وفي المقابل، يوظف ترامب هذا التكتيك إعلامياً باعتباره قوة جذب دائمة للأنظار، ما يمنحه حضوراً يستمر حتى في غياب أي جديد ملموس.
ما الذي يكشفه الملف الإيراني تحديداً؟
يُعدّ الملف الإيراني حالة نموذجية لفهم هذا النمط.فالتصعيد والتهدئة يتعاقبان بوتيرة سريعة، والتصريحات تتراوح بين التلويح بالضربة العسكرية والدعوة إلى التفاوض، دون خط واضح يربط بين المراحل المختلفة.
وهذا التذبذب لا يعكس بالضرورة غياب استراتيجية، بل قد يكون استراتيجية قائمة بذاتها تقوم على الإرباك والمناورة وكسب المساحة الزمنية.
لكنه في المقابل يضع المنطقة أمام مخاطر حقيقية، ويبقي احتمال التصعيد أو الانفتاح مفتوحاً على كل الاحتمالات.
خلاصة
لم يعد التعامل مع تصريحات ترامب حول إيران مسألة تتعلق بالدقة أو الحفظ، بل أصبح لعبة سياسية وإعلامية متكاملة تقوم على إعادة صياغة الوقائع واختبار ردود الفعل.وبينما يتواصل هذا النهج، يبقى السؤال معلقاً: هل تنجح هذه الاستراتيجية في حماية مصالح واشنطن، أم أنها تُضعف المصداقية على المدى الطويل وتزيد من هشاشة الاستقرار في منطقة حساسة؟.

التعليقات