التخطي إلى المحتوى

بقلم: إيمان مزريقي

في عالم تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية، وتتداخل فيه الصدمات المالية والمناخية والطاقية والغذائية، لم يعد السؤال المطروح في تونس مقتصرًا على كيفية تمويل عجز الميزانية أو الحفاظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف، بل أصبح أعمق وأكثر التصاقًا بمستقبل الدولة والمجتمع: كيف نبني منظومة نقدية ومالية قادرة على امتصاص الصدمات، وتمويل التنمية، وحماية القدرة الشرائية، ودعم الاستثمار، دون تحويل كلفة الاستقرار إلى عبء دائم على الأجيال القادمة؟

يكتسب هذا السؤال راهنيته من النقاش الدولي الواسع حول مواطن الضعف في الأنظمة النقدية والمالية القائمة، وعن الإصلاحات الضرورية لبناء اقتصادات أكثر مرونة.

وهو نقاش يكتسي في الحالة التونسية بعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وقانونيًا في آن واحد، لأن أي إصلاح مالي لا يقع في فراغ، بل يتقاطع مع سوق الشغل والعدالة الجهوية والثقة في المؤسسات.

تعافٍ نسبي لا يعني متانة هيكلية

تُظهر أحدث المؤشرات أن الاقتصاد التونسي يسجل تعافيًا نسبيًا، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.3% على أساس سنوي خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026، بارتفاع قدره 1.4% مقارنة بالثلاثي الأول.

وبلغ التضخم 5.4% في أوت/أغسطس 2026، وهو مستوى أدنى بكثير من الذروات السابقة، لكنه يظل مرتفعًا بما يكفي ليجدّف في القدرة الشرائية للأسر، خصوصًا الفئات ذات الدخل المحدود التي يستهلك إنفاقها نسبة أكبر من دخلها في المواد الغذائية والطاقة.

غير أن نموذج النمو والتضخم لا يكفي وحده للحكم على متانة اقتصاد، لأن المرونة الحقيقية تُقاس أيضًا بالقدرة على خلق فرص العمل، ورفع الإنتاجية، وتمويل المؤسسات، وتقليص الفوارق الاجتماعية والجهوية.

وتؤكد مؤشرات سوق الشغل هذه المعادلة: بلغ معدل البطالة 14.9% خلال الثلاثي الثاني من 2026، أي ما يعادل نحو 622.4 ألف عاطل، فيما بلغ معدل بطالة الشباب بين 15 و24 سنة 35.4%، و26.6% لدى خريجي التعليم العالي، و21.6% لدى النساء مقابل 11.8% لدى الرجال.

أرقام تجعل الإصلاح المالي مسألة اجتماعية قبل أن يكون مسألة محاسبية.

الدين العمومي: الحجم والتركيبة والكلفة

في قلب هذه المعادلة يقف الدين العمومي، الذي أصبح أحد أهم محددات السياسة المالية التونسية.

فقد ارتفع رصيده من حوالي 126.679 مليار دينار سنة 2023 إلى 135.642 مليار دينار سنة 2024، ثم إلى 141.665 مليار دينار سنة 2025، بينما قدّرت ميزانية 2026 الرصيد بنحو 156.704 مليار دينار، أي ما يعادل حوالي 83.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما قدّر عجز الميزانية في قانون المالية لسنة 2026 بنحو 11.365 مليار دينار أي 6% من الناتج.

لكن الإشكال لا يقتصر على حجم الدين أو نسبته إلى الناتج، بل يمتد إلى تركيبة التمويل وكلفته وأثره على قدرة الدولة والقطاع الخاص على الاستثمار.

فكلما توسّع الاعتماد على الاقتراض لتمويل النفقات الجارية أو إعادة تمويل ديون سابقة، تضاءلت المساحة المتاحة لتوجيه الموارد نحو الاستثمار والبنية الأساسية والتعليم والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر.

وتزداد المسألة تعقيدًا مع توسّع اعتماد الدولة على الجهاز المصرفي المحلي.

فقد أشار البنك الدولي إلى أن حصة اقتراض الحكومة من إجمالي الائتمان البنكي ارتفعت إلى نحو ثلث الائتمان سنة 2025، مقابل 15% سنة 2019.

وهذه المعطيات تطرح ما يعرف اقتصاديًا بتأثير مزاحمة القطاع الخاص (Crowding Out)، إذ يمكن أن يحدّ ارتفاع طلب الدولة على التمويل من الموارد المتاحة للمؤسسات الخاصة، خاصة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، بما ينعكس على الاستثمار والتشغيل والنمو.

ولهذا فإن استدامة المالية العمومية ليست مسألة حسابية تخصّ حجم العجز فقط، بل هي أيضًا مسألة تتعلق بمن يحصل على التمويل، وبأي كلفة، ولأي غرض.

السياسة النقدية: هامش مناورة محدود

من الجانب النقدي، يواجه البنك المركزي التونسي معادلة دقيقة بين الحفاظ على استقرار الأسعار ودعم النشاط الاقتصادي.

فقد سلك التضخم مسارًا تنازليًا مقارنة بذروته، إذ انخفض من 10.4% في فيفري/فبراير 2023 إلى متوسط يقارب 5.7% خلال سنة 2025، مع خفض سعر الفائدة المديرية إلى 7% في ديسمبر 2025.

غير أن السياسة النقدية وحدها لا تستطيع معالجة كل أسباب التضخم أو اختلالات الاقتصاد، لأن جزءًا منها مرتبط بأسعار الطاقة والمواد الغذائية وسلاسل الإمداد والعرض والإنتاج والاختلالات الخارجية.

ومن ثم فإن بناء مرونة نقدية حقيقية يستدعي تنسيقًا مؤسساتيًا أكثر فعالية بين السياسة النقدية والمالية والاقتصادية، مع الحفاظ على وضوح قواعد التدخل ومصداقية المؤسسات النقدية واستقلالها.

الدينار والتوازن الخارجي

استقرار الدينار لا يمكن اختزاله في إدارة سعر الصرف، لأن قوة العملة ترتبط في النهاية بقدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة وتوليد العملة الأجنبية من الصادرات والسياحة والاستثمار والتحويلات.

وتكشف بيانات التجارة الخارجية عن استمرار تحديات مهمة؛ فخلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 بلغت الصادرات حوالي 44.672 مليار دينار مقابل واردات بقيمة تقارب 62.525 مليار دينار، أي عجز تجاري يناهز 17.854 مليار دينار.

هذه الفجوة تعكس الحاجة إلى تعزيز تنافسية الإنتاج المحلي، وتطوير الصادرات ذات القيمة المضافة، وتقليص التبعية المفرطة لبعض الواردات، بدل التعامل مع سعر الصرف باعتباره المشكلة الوحيدة.

كما تفرض تطوير الصناعات القادرة على التصدير في قطاعات مثل الطيران والنسيج التقني والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية.

القطاع البنكي: بين حماية الاستقرار وتمويل الاقتصاد الحقيقي

لا يمكن الحديث عن مرونة مالية دون التوقف عند القطاع البنكي، فاستقرار البنوك عنصر أساسي في استقرار الاقتصاد.

لكن القطاع يواجه تحديات مرتبطة بجودة الأصول والقروض المتعثرة والقدرة على تمويل الاستثمار.

وقد أشار البنك الإفريقي للتنمية إلى نسبة قروض غير متداولة في حدود 14.7%، إلى جانب تحديات مرتبطة بنمو الائتمان الموجه للقطاع الخاص.

ومن ثم فإن الإصلاح لا ينبغي أن يهدف فقط إلى حماية البنوك من المخاطر، بل أيضًا إلى جعلها أكثر قدرة على تمويل المؤسسات المنتجة والمشاريع الصغرى والمتوسطة والابتكار والاقتصاد الأخضر والتحول الرقمي.

فالقطاع المصرفي الذي يمول الدولة بكثافة لكنه يعجز عن تمويل الاقتصاد الحقيقي يعاني معضلة هيكلية تتجاوز المؤشرات المحاسبية.

الشمول المالي: البعد الاجتماعي للإصلاح

يمثل الشمول المالي البعد الاجتماعي للإصلاح.

فوفق معطيات البنك الدولي، ما بين 30% و40% من السكان البالغين في تونس، أي ما يقدر بين 2.5 و3.5 ملايين شخص، لا يحصلون بصورة كافية على الخدمات المالية الرئيسية، كما تواجه نسبة مهمة من المؤسسات صعوبات في الوصول إلى التمويل الرسمي.

لذلك فإن الانتقال إلى منظومة مالية أكثر مرونة يمرّ أيضًا عبر توسيع الخدمات المالية الرقمية، وتطوير الدفع الإلكتروني، وتعزيز التمويل الأصغر، وتسهيل حصول الشباب والنساء والمؤسسات الصغرى والمتوسطة على التمويل، وتطوير أدوات التأمين والتمويل الأخضر.

فالمرونة المالية لا تعني قدرة الدولة على الحصول على الأموال فحسب، بل تعني كذلك قدرة المواطن والمؤسسة على الوصول إلى التمويل عند الحاجة.

الإطار القانوني والمؤسساتي: من التدبير القصير إلى الرؤية الطويلة

من الناحية القانونية والمؤسساتية، يرتبط إصلاح المالية العمومية بضرورة تطوير قواعد أكثر وضوحًا وشفافية لإدارة الدين والاقتراض والإنفاق العمومي.

فقانون المالية يحدد سنويًا حاجيات التمويل ومبالغ التسديد وخدمة الدين والاقتراض، لكن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من إدارة مالية قصيرة الأجل إلى رؤية متوسطة وطويلة المدى تربط الاقتراض بالاستثمار المنتج والقدرة على السداد والأثر الاقتصادي والاجتماعي.

ويعني ذلك تعزيز الشفافية في البيانات المالية، وتطوير آليات الرقابة والتقييم، وتحسين إدارة المخاطر، وربط المسؤولية العمومية بالنتائج، إلى جانب مواصلة إصلاح المؤسسات العمومية وفق تقييم موضوعي لوضعيتها المالية وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية، مع اعتماد معايير دولية في الإفصاح عن الدين وأدواته.

العدالة الاجتماعية شرط لاستدامة الإصلاح

لا يمكن فصل السياسة المالية عن العدالة الاجتماعية.

فأي إصلاح يهدف إلى تقليص العجز أو ضبط الدين قد تكون له آثار مباشرة على الأسر إذا حُمّلت كلفته للفئات محدودة الدخل من خلال ارتفاع الأسعار أو تقليص الخدمات أو تراجع القدرة الشرائية.

ولذلك فإن الإصلاح الأكثر استدامة هو الذي يبحث عن توسيع القاعدة الاقتصادية والجبائية، وتحسين التحصيل، ومكافحة التهرب والاقتصاد غير المنظم، وترشيد الإنفاق غير المنتج، مع حماية الاستثمار العمومي والخدمات الأساسية.

فالهدف ليس تحقيق توازن محاسبي مؤقت، بل الوصول إلى توازن مالي قادر على دعم النمو والعدالة الاجتماعية في الوقت نفسه.

تنويع التمويل: من قناة واحدة إلى منظومة متعددة

في هذا السياق تبدو الحاجة واضحة إلى تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد المفرط على قناة واحدة، عبر تطوير سوق رأس المال والسوق الثانوية للأوراق الحكومية، وتوسيع تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتطوير آليات التمويل المختلط، وجذب رأس المال الخاص نحو المشاريع المنتجة، وتحسين إدارة الدين، والاستفادة من أدوات تمويل المناخ والطاقة المتجددة، وتحويل جزء أكبر من تحويلات التونسيين بالخارج إلى استثمارات ذات قيمة مضافة.

وقد أشار البنك الإفريقي للتنمية إلى أهمية تطوير إدارة الدين والسوق الثانوية للأوراق الحكومية وآليات تقاسم المخاطر وتعبئة التمويل المختلط ورأس المال الخاص ضمن مسار تعزيز المرونة الاقتصادية.

كما يمكن أن يلعب التمويل الإسلامي (الصكوك) والتمويل الأخضر دورًا مهمًا في تنويع قاعدة المستثمرين وتخفيف الضغط على البنوك المحلية.

خلاصة: سؤال يتجاوز الاقتصاد

تكشف التجربة التونسية أن الاستقرار النقدي وحده لا يكفي، والاستقرار المالي وحده لا يكفي، والنمو وحده لا يكفي.

فالمنظومة الأكثر صمودًا هي التي تستطيع في الوقت نفسه الحفاظ على استقرار الأسعار، وتمويل الدولة بطريقة مستدامة، وتوفير الائتمان للمؤسسات، وحماية المدخرات، وتحفيز الاستثمار، وتقليص البطالة، وتوسيع الشمول المالي، وحماية الفئات الهشة.

ومن هنا فإن النقاش حول إصلاح النظام النقدي والمالي في تونس يجب ألا يبقى محصورًا في الأرقام والمؤشرات، بل يجب أن يتحول إلى نقاش وطني حول نموذج اقتصادي جديد يربط الاستقرار المالي بالإنتاج والتشغيل والعدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية والحكامة القانونية.

المرونة المالية الحقيقية لا تعني فقط أن تكون الدولة قادرة على الاقتراض عند وقوع الأزمة، بل أن تكون أقل عرضة للأزمة أصلًا.

وهذا يبدأ باقتصاد منتج وتنافسي، ومؤسسات قوية، وبنوك تمول الاقتصاد الحقيقي، وسياسة نقدية ذات مصداقية، ومالية عمومية أكثر شفافية، وتشريعات قادرة على إدارة المخاطر، ونمو يُترجم في النهاية إلى فرص عمل ودخل وتحسن في مستوى المعيشة.

وهنا يصبح السؤال المطروح سؤالًا يتجاوز الاقتصاد إلى مستقبل تونس نفسه: أي منظومة نقدية ومالية تريد تونس أن تبني خلال العقد القادم، وكيف تجعل الإصلاح المالي أداة للاستقرار والتنمية والعدالة بدل أن يكون مجرد استجابة متأخرة للأزمات؟.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *