في خطوة جديدة تعزز أركان الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين الشقيقين، أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي والبنك المركزي المصري عن توقيع اتفاقية تجديد مقايضة العملات المحلية بين الدرهم الإماراتي والجنيه المصري، وذلك في بيان رسمي صدر يوم الثلاثاء 29 سبتمبر، ليعود الاتفاق إلى الواجهة مجدداً بعد إطلاقه الأول في نهاية سبتمبر 2023.
تفاصيل اتفاقية مقايضة العملات بين مصر والإمارات
وفقاً للبيانات الرسمية، تبلغ القيمة الاسمية للاتفاقية المجددة 5 مليارات درهم إماراتي، أي ما يعادل نحو 69 مليار جنيه مصري (ما يقارب 1.36 مليار دولار).
وتختلف هذه القيمة عن القيمة الأصلية عند إطلاق الاتفاق في 2023، والتي كانت تعادل نحو 42 مليار جنيه مصري آنذاك، وهو فرق يعكس بشكل أساسي التغيرات التي طرأت على سعر صرف الجنيه مقابل الدولار على مدار السنوات الثلاث الماضية.
وتمتد الاتفاقية الجديدة لمدة خمس سنوات، ووقعها عن الجانب الإماراتي سعادة خالد محمد بالعمى، محافظ مصرف الإمارات المركزي، فيما مثّل الجانب المصري محافظ البنك المركزي المصري.
وتتيح هذه الآلية المالية للطرفين تبادل العملتين المحليتين واستخدامهما في تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية الثنائية، بدلاً من الاعتماد الكلي على العملات الأجنبية الرئيسية.
كيف تعمل آلية مقايضة العملات؟
مقايضة العملات (Currency Swap) هي اتفاق بين بنكين مركزيين يسمح لكل طرف بالحصول على مبلغ محدد من عملة الطرف الآخر بسعر صرف متفق عليه، مع الالتزام بإعادة المبلغ لاحقاً وفق شروط زمنية محددة.
وفي هذه الحالة، يمكن للبنك المركزي المصري الحصول على الدرهم الإماراتي لتسوية مستورداته من الإمارات، بينما يحصل مصرف الإمارات المركزي على الجنيه المصري لتسوية التزاماته تجاه السوق المصري.
النتيجة العملية أن هذه الآلية تخفف الضغط الملحوظ على الاحتياطي من العملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار، إذ تتيح تسوية جزء من التجارة البينية دون الحاجة إلى تدبير نقد أجنبي إضافي، ما يسهّل حركة التبادل التجاري والاستثماري ويسرّع وتيرة إتمام الصفقات.
هل يلمس المواطن تأثير مقايضة العملات على الأسعار؟
مع إعلان هذا الاتفاق المالي الكبير، يتساءل الشارع المصري عن الانعكاسات المباشرة لمثل هذه الخطوات على الأسواق المحلية وأسعار السلع.
يشير الخبراء الاقتصاديون إلى أن اتفاقيات المقايضة ليست أداة سريعة المفعول، لكن تأثيرها يتراكم على المدى المتوسط، حيث تساهم في تخفيف الطلب على النقد الأجنبي وتأمين مستلزمات الإنتاج المستوردة من الإمارات، وهو ما ينعكس بدوره على استقرار الأسواق وتوافر السلع.
كما أن تقليل الاعتماد على الدولار في تسوية جزء من التجارة الخارجية يمنح البنك المركزي هامشاً أكبر للتعامل مع تقلبات سوق الصرف، وقد يسهم تدريجياً في تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطن المصري وتحقيق مزيد من الاستقرار الاقتصادي، دون أن يعني ذلك انخفاضاً فورياً في الأسعار.
أبعاد استراتيجية تتجاوز الجانب النقدي
لا تتوقف أهمية الاتفاقية عند حدود الآلية المصرفية، بل تحمل دلالات اقتصادية أوسع.
فالإمارات تعد من أكبر المستثمرين في السوق المصري، وتشمل العلاقات الثنائية مشروعات كبرى في العقارات والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية، ومنها مشروعات التنمية في الساحل الشمالي والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ومن شأن توفر آلية تسوية بالعملات المحلية أن يشجع مزيداً من الشركات الإماراتية على التوسع في السوق المصري دون القلق من تكاليف التحوط من تقلبات الصرف.
كذلك يأتي تجديد الاتفاقية في إطار توجه أوسع لدى عدد من الدول الناشئة نحو تقليل الاعتماد على الدولار في التجارة البينية، عبر تعزيز استخدام العملات المحلية أو ترتيبات ثنائية متعددة الأطراف.
ويُعد هذا النهج أداة لتقوية الروابط المالية الإقليمية وتحسين مرونة الاقتصادات في مواجهة الصدمات الخارجية.
توقيت الإعلان والرسائل التي يحملها
يحمل توقيت التجديد رسالة ثقة متبادلة بين البلدين، إذ يعكس التزام الجانبين بمواصلة دعم التجارة الثنائية وتوطيد التعاون المالي والمصرفي.
كما أنه يمنح المستثمرين والمتعاملين في السوقين إشارة إيجابية بشأن استقرار الإطار المؤسسي للعلاقات الاقتصادية خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو عامل مهم في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
وفي المحصلة، تمثل الاتفاقية خطوة عملية على طريق تعميق التكامل الاقتصادي بين القاهرة وأبوظبي، وتؤكد أن الأدوات النقدية المشتركة أصبحت جزءاً ثابتاً من بنية العلاقة بين البلدين، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات محتملة على الاستقرار النقدي وتدفقات التجارة والاستثمار في المرحلة المقبلة.

التعليقات