تقييم دولي شامل لجهود كندا في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
في تقرير دولي جديد لفت أنظار الدوائر المالية والاقتصادية حول العالم، كشفت الجهات الرقابية المعنية عن تقييم شامل لجهود دولة كندا في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأشار التقرير إلى أن السلطات الكندية نجحت بالفعل في تحقيق خطوات إيجابية وملحوظة على طريق تطويق هذه الجرائم المالية العابرة للحدود، غير أن المسار لا يزال طويلاً ويتطلب المزيد من الحسم والإرادة السياسية والتنفيذية.
ثغرات رقابية تهدد المنظومة المالية الكندية
على الرغم من التقدم المحرز، شدد التقرير الدولي على وجود فجوات واضحة ينبغي على الحكومة الكندية سدّها في أسرع وقت ممكن.
وتمركزت أبرز الانتقادات حول ضرورة رفع كفاءة التحقيقات الجنائية المرتبطة بالتدفقات المالية المشبوهة، إضافة إلى توسيع دائرة الرقابة لتشمل قطاعات حيوية غير مالية يُنظر إليها كمنافذ محتملة لاستغلالها في عمليات غسل الأموال.
مطالبات بتشديد الخناق على القطاعات غير المالية
دعت الجهات الدولية العاصمة أوتاوا إلى فرض قواعد امتثال صارمة على الأنشطة والمهن غير المالية التي غالباً ما تقع خارج دائرة المراقبة المصرفية التقليدية، ومنها قطاع العقارات والأسواق التجارية والوسطاء الماليون والوكلاء العقاريون وشركات المحاسبة والمحامون.
ويأتي هذا التحذير في وقت تكثّف فيه المؤسسات الدولية جهودها لتجفيف منابع الجريمة المنظمة عالمياً وحماية الاقتصاد من العملات المشبوهة والأموال غير المرخصة.
سياق دولي متزايد الصرامة وأثره على الاقتصاد الكندي
يتزامن هذا التقييم مع تصاعد الضغوط الدولية على الدول ذات الاقتصادات المتقدمة لتشديد أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في ظل توصيات مجموعة العمل المالي (FATF) التي تضع معايير عالمية ملزمة نسبياً وتخضع الدول لتقييمات دورية بموجبها.
وتُعد هذه التقييمات ذات وزن كبير، إذ يمكن أن تنعكس نتائجها على تصنيف الدولة ومكانتها في الأسواق المالية العالمية، وعلى تكاليف التمويل وجاذبية الاستثمار الأجنبي.
فوجود ثغرات في المنظومة الرقابية قد يُضعف ثقة المستثمرين ويعرّض البنوك الكندية لمخاطر الامتثال والعقوبات.
تحديات بنيوية تستدعي معالجة عاجلة
يرى خبراء الاقتصاد أن أبرز التحديات البنيوية التي تواجه كندا تتمثل في:
- تعدد الجهات الرقابية وتشتت الاختصاصات: حيث تتوزع مسؤوليات الرقابة بين مستويات فيدرالية وإقليمية، ما قد يُبطئ تبادل المعلومات واتخاذ القرار.
- نقص الموارد البشرية والتقنية: لا سيما في وحدات التحقيق المالي وتحليل المعاملات المشبوهة.
- الاقتصاد العقاري الساخن: إذ يُعد سوق العقارات الكندي، خصوصاً في مدن كبرى مثل تورونتو وفانكوفر، بيئة جاذبة لعمليات غسل الأموال عبر شراء العقارات النقدية والشركات الوهمية.
- الشركات الواجهة والهياكل المعقدة: التي تُستخدم لإخفاء الملكية الحقيقية والملاذات الضريبية.
خطوات إصلاحية مقترحة لتعزيز المنظومة
لتفادي مزيد من الانتقادات وتحقيق فعالية أكبر، يوصي المراقبون بمجموعة من الإجراءات، منها:
- تعزيز التنسيق بين الوكالات الفيدرالية والإقليمية وإنشاء سجل وطني موحّد للملكية الحقيقية للشركات.
- زيادة الاستثمار في التكنولوجيا المالية الرقابية (RegTech) وتحليل البيانات الضخمة لكشف الأنماط المشبوهة.
- فرض عقوبات رادعة على المؤسسات والمهنيين الذين يتقاعسون عن تطبيق قواعد «اعرف عميلك» (KYC) والإبلاغ عن العمليات المشبوهة.
- توسيع نطاق قوانين مكافحة غسل الأموال لتشمل القطاعات غير المالية بشكل صريح، مع تدريب مهني موسّع.
- تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات مع الشركاء في مكافحة الجريمة المالية العابرة للحدود.
إنجازات تُذكر في ملف كندا
في المقابل، لا يمكن إغفال ما حققته كندا من مكاسب، إذ عزّزت إطارها التشريعي عبر تحديثات متتالية لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأطلقت وحدات متخصصة لتحليل المعاملات المالية المشبوهة (FINTRAC)، ووقّعت اتفاقيات تعاون قضائي ومعلوماتي مع دول عدة.
كما باتت Banks الكندية تطبّق برامج امتثال أكثر صرامة، وتخضع لتقارير تدقيق دورية.
غير أن هذه الجهود، بحسب التقرير، تحتاج إلى تسريع وتيرتها لتواكب تصاعد أساليب الجريمة المالية وتنوّعها، خاصة مع انتشار العملات المشفرة والأصول الرقمية التي صارت ساحة جديدة للاستغلال.
خاتمة
يبدو أن كندا تقف أمام مفترق طرق: فإما أن تُترجم الإنجازات الأولية إلى إصلاحات هيكلية شاملة وحاسمة، أو أن تظل الثغرات الرقابية مفتوحة أمام شبكات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويبقى التحدي الأكبر في الموازنة بين حماية الاقتصاد والحرية الاقتصادية، وبين تشديد الرقابة وحركة رؤوس الأموال المشروعة.
وبقدر ما تعكسه التقييمات الدولية من ضغط، فإنها تتيح أيضاً فرصة حقيقية لكندا لتعزيز مكانتها كاقتصاد نظيف وموثوق على الساحة العالمية.

التعليقات