التخطي إلى المحتوى

في كواليس صناعة الدراما المصرية، تبرز أحياناً خبراتٌ حياتية سابقة لا تُدرس في معاهد الفنون، لكنها تمنح أصحابها بصمةً لا تُخطئها العين على الشاشة.

ومن بين هؤلاء يبرز المؤلف محمد هشام عبية، أحد أبرز كتّاب السيناريو في المشهد الفني الراهن، والذي كشف في تصريحات خاصة عن كواليس رحلته الطويلة في عالم الصحافة، وكيف تحوّلت مهنة المتاعب إلى مختبر حقيقي شكّل وعيه الفني والأدبي، بعد سنوات من العمل وتقلّد مناصب مرموقة في مؤسسات صحفية متعددة.

مهنة المتاعب.

مدرسة أولى لا تُنسى

.

يؤكد “عبية” أن العمل الصحفي لم يكن يوماً مجرد محطة عابرة في مسيرته المهنية، بل كان المدرسة الأولى التي صقلت موهبته في البحث والتدقيق وفهم النفس البشرية.

الصحفي، بطبيعته، باحثٌ عن الحقيقة، وشغوفٌ بالقصص الإنسانية التي تقبع خلف الكواليس، وهو الشغف ذاته الذي انتقل ببراعة إلى نصوصه الدرامية، لتمنحها عمقاً وواقعية وقدرةً على ملامسة هموم الشارع المصري والعربي.

فحين يتعامل الكاتب مع نبض المجتمع عبر الصحافة، يكتسب تلقائياً مهارة قراءة الواقع وتحويل أبسط التفاصيل اليومية إلى دراما مشوّقة تخطف أنظار المشاهدين، وهو ما يفسّر تلك الجاذبية التي تتمتع بها أعماله، وقدرتها على إثارة نقاشات نقدية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي بمجرد عرضها.

الانضباط الصحفي.

حين تحكم القواعد إيقاع الإبداع

.

يشير المؤلف إلى أن القواعد الصارمة للعمل الصحفي انعكست بشكل إيجابي مباشر على أدائه كمؤلف درامي.

فالالتزام بالمواعيد، والقدرة على تكثيف الأفكار، والبحث المستفيض قبل كتابة أي سطر، كلها عناصر تحوّلت لاحقاً إلى أدوات حرفية في كتابة السيناريو.

ويضيف أن مهارة الإمساك بتلابيب القصة وجذب انتباه القارئ – أو المشاهد لاحقاً – من السطور الأولى، هي مهارة أساسية اكتسبها من صالات النشر وأقسام التحرير المختلفة، حيث لا مجال للترهّل ولا للتكرار، بل يجب أن تكون كل كلمة في مكانها تماماً.

البحث الميداني.

ذاكرة الحكايات التي لا تكتبها الجريدة

.

وهنا يظهر فارقٌ جوهري آخر؛ فالصحافة تمنح صاحبها ذاكرةً مليئة بالحكايات المنسية: نظرة عابرة في مقهى شعبي، جملة عابرة من سائق تاكسي، أو تفصيل دقيق في قضية اجتماعية صامتة.

هذه المشاهد التي قد لا تجد لها الصحافة اليومية مكاناً، تصبح في يد السيناريست مادةً خاماً غنية تمنح الشخصيات مساحتها الحقيقية.

لذلك تبدو أعمال “عبية” أقرب إلى الوثيقة الاجتماعية منها إلى الترفيه المجرد، إذ تعكس إيقاع المجتمع وتقلّباته، وتحوّل الأحداث العادية إلى لحظات درامية مشحونة بالصدق.

تحديات الصناعة ومسؤولية الكلمة

في سياق متصل، يُدرك كاتب السيناريو القادم من الصحافة جيداً أن الدراما أيضاً “سلطة ناعمة” ومسؤولية.

فكما أن الصحافة تدخل البيوت عبر الخبر، تدخل الدراما البيوت عبر الحكاية، ومن ثم يجب أن تكون الحكاية محكمة البناء، صادقة النبرة، قادرة على احترام وقت المشاهد وعقله في زمن يتصارع فيه آلاف الخيارات على الانتباه.

ويرى أن التحدي الأكبر لا يكمن في الوصول إلى القصة، بل في الحفاظ على صدقها عند تحويلها إلى صورة، وهي معادلة دقيقة لا يجيدها إلا من خاض التجربة الميدانية واختبر نبض الواقع بنفسه.

الخلاصة

رحّالة مثل محمد هشام عبية يقدّمون نموذجاً على أن المهنة التي تحتك بالواقع اليومي يمكن أن تصبح بؤرة إبداع خصبة.

فمن بين سطور الأخبار وقسوة المواعيد، وُلِدت خلف الكواليس موهبة درامية تعرف كيف تقرأ المجتمع، وتكتب عنه بصدق، وتحوّل تفاصيله الصغيرة إلى دراما تلامس القلب والعقل معاً.

الوسوم: #محمد هشام عبية #الصحافة والدراما #مؤلف مصري #أخبار الفن #سيناريو مصري

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *