في واحدة من أكثر الحوادث إيلاماً التي شهدتها محافظة بورسعيد خلال الفترة الأخيرة، تحوّلت حياة طفلة بريئة لم تتجاوز السابعة من عمرها إلى معاناة حقيقية، بعد أن تعرّضت لهجوم شرس من كلب ضال لم يكن أحد يتوقع أن يقلب حياتها رأساً على عقب.
الطفلة مكة السيد عوض، التي كانت تعيش طفولتها كسائر أقرانها، أصبحت الآن محور متابعة واسعة من الرأي العام، بعد أن تشخّصت إصابتها بمرض السعار (داء الكلب) القاتل، لتبدأ أسرتها رحلة مؤلمة من الانتظار والقلق بحثاً عن طوق نجاة.
بداية القصة: لحظة الهجوم وردود الفعل الأولى
تعود تفاصيل الحادثة إلى لحظة مباغتة، عندما انقضّ كلب مسعور على الطفلة الصغيرة دون سابق إنذار، مخلّفاً وراءه جروحاً غائرة ومتفرقة في جسدها الهزيل.
ورغم أن الأسرة سارعت بنقلها فوراً إلى أقرب مستشفى لتلقي الإسعافات الأولية، وإجراء التنظيف والتطعيمات الأولية المعتادة في تلك الحالات، إلا أن الفيروس الخطير تمكن من الوصول إلى الجهاز العصبي للطفلة، ما أدى إلى تدهور حالتها الصحية بشكل سريع ومفاجئ لم يتوقعه الأطباء.
السعار: مرض قاتل يحتاج تدخلاً في غضون ساعات
يُعد داء الكلب من أخطر الأمراض الفيروسية على الإطلاق، حيث تصل نسبة الوفاة فيه إلى ما يقرب من 100% بمجرد ظهور الأعراض السريرية، وهو ما يجعل عامل الوقت عنصراً حاسماً في إنقاذ المصابين.
وتشمل بروتوكولات العلاج المتعارف عليها عالمياً غسل الجروح فوراً بالماء والصابون لمدة لا تقل عن خمس عشرة دقيقة، ثم تلقي جرعة من الغلوبولين المناعي المضاد للسعار (RIG) حول موضع العقر، إلى جانب جرعات التطعيم الكاملة.
ويؤكد الخبراء أن أي تأخير في هذه الخطوات يمنح الفيروس فرصة هائلة للانتشار عبر الأعصاب الطرفية نحو الدماغ.
حالة طبية حرجة واستغاثة إنسانية
تخضع الطفلة مكة حالياً لرعاية طبية مكثفة داخل أحد المستشفيات، حيث يعمل الفريق المعالج بجهد مضاعف للسيطرة على الأعراض العصبية المقلقة التي بدأت تظهر عليها، وسط خشية كبيرة من تطورها نحو مرحلة السعار الكامل الذي يترافق عادةً مع تشنجات ونوبات من الخوف والمياه (الرهاب المائي).
وفي ظل هذا الوضع المأساوي، أطلقت والدتا الطفلة استغاثة عاجلة موجهة إلى وزارة الصحة وجميع المسؤولين، تطالب فيها بتوفير أقصى درجات الرعاية الطبية المتقدمة، ونقل الفتاة إلى مركز متخصص قادر على التعامل مع مثل هذه الحالات النادرة والحرجة، آملاً في أن يشملها لطف الله ويستعيد صحتها وعافيتها.
أزمة الكلاب الضالة: ملف مفتوح تحتاج الحكومة لحله
وتعيد هذه الواقعة فتح ملف الكلاب الضالة في المحافظات المصرية، والذي لا يزال يمثل تهديداً يومياً على حياة المواطنين، خصوصاً الأطفال وكبار السن.
ويشير المتخصصون في الطب البيطري إلى أن مكافحة السعار لا تقتصر على علاج المصابين فقط، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل تحصين الكلاب، وتنظيم حملات للقضاء على الحيوانات الضالة، ورفع وعي المواطنين بأهمية التطعيم الوقائي بعد أي عقر، بدلاً من الانتظار حتى ظهور الأعراض التي تكون غالباً علامة على نهاية المطاف.
دروس يجب تعلمها لحماية الأطفال
تشمل أهم الإجراءات الوقائية التي يوصي بها الأطباء: غسل مكان العقر بالصابون والماء الجاري فوراً، والتوجه دون تأخير إلى المستشفى أو مركز مكافحة السعار لأخذ التطعيمات اللازمة، وعدم الاعتماد على العلاجات الشعبية أو الوصفات المنزلية.
كما ينصح بعدم ترك الأطفال يلعبون في الشوارع أو المناطق المهجورة التي يكثر فيها وجود الحيوانات الضالة، والإبلاغ الفوري عن أي كلب يشتبه في إصابته بالسعار للجهات المختصة.
وتبقى قصة الطفلة مكة صرخة وجدانية تنبض بالوجع، وتذكيراً بأن حماية أطفالنا تبدأ من إجراءات وقائية بسيطة، وأن كل لحظة تأخير قد تكلفنا ما لا يمكن تعويضه.

التعليقات