في تطور إعلامي لافت، تصدّرت تصريحات الإعلامي نشأت الديهي المشهد، بعدما كشف عن الكواليس الكاملة والرسائل الحاسمة التي وجّهها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاجتماع الموسع الأخير الذي جمع أعضاء الحكومة والمحافظين.
وقد تركّز النقاش في هذا الاجتماع على الأمن المائي المصري وملف السدود الإثيوبية، وهو الملف الذي يُعد من أخطر قضايا الأمن القومي المصري في العقد الأخير.
موقف مصر الثابت من أزمة السدود الإثيوبية
أوضح الديهي خلال برنامجه أن القيادة السياسية المصرية تتعامل مع ملف سد النهضة والأزمات المرتبطة به بمنتهى الحكمة والوعي الاستراتيجي، مؤكداً أن الدولة المصرية لم ولن تتهاون في حماية حقوقها التاريخية في مياه نهر النيل، والتي تُعد قضية حياة أو موت للشعب المصري بأكمله.
يستند الموقف المصري في هذا الشأن إلى مجموعة من المبادئ الراسخة التي جرى التأكيد عليها مراراً في المحافل الدولية:
- التمسك بالمرجعيات الدولية: اتفاقيات مياه النيل الموقّعة عامي 1929 و1959، وإعلان المبادئ الموقّع بين مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم عام 2015.
- رفض فرض الأمر الواقع: أي إجراءات أحادية تمسّ حصة مصر المائية دون التوصل إلى اتفاق ملزم.
- الحل التفاوضي: التأكيد على أن الحوار هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة، بما يحقق مصالح جميع الأطراف دون الإضرار بأي طرف.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواصل فيه الدولة جهودها الدبلوماسية والتنموية لتعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية.
توجيهات رئاسية عاجلة للحكومة والمحافظين
وفي سياق متصل، تطرّق الاجتماع الموسع مع الحكومة والمحافظين إلى خطط الدولة الاستراتيجية لترشيد استهلاك المياه ومشروعات التنمية المستدامة، حيث شدّد الرئيس السيسي على ضرورة التنسيق التام بين كافة أجهزة الدولة للتعامل مع أي تحديات مستقبلية تخص قطاع المياه.
وقد وجّه الرئيس بضرورة المضي قدماً في تنفيذ المشروعات القومية الكبرى الخاصة بمعالجة وتدوير مياه الصرف الزراعي وتحلية المياه، لضمان تأمين الاحتياجات الحالية والمستقبلية للبلاد.
أبرز المشروعات القومية لترشيد المياه
- محطات معالجة مياه الصرف الزراعي: مثل محطة الحمام في محافظة مطروح، التي تُعد من أكبر محطات المعالجة في العالم، بطاقة تصل إلى نحو 7.5 مليون متر مكعب يومياً.
- محطات التحلية على السواحل: مشروعات ضخمة في محافظات مثل مطروح وشمال سيناء والبحر الأحمر، لتعويض الفجوة المائية.
- تبطين الترع وتحويل الري: مشروع قومي لتبطين الترع (بطول آلاف الكيلومترات) والتحول من الري بالغمر إلى الري الحديث.
- التوسع في الزراعات منخفضة الاستهلاك: مثل بعض المحاصيل الاستراتيجية التي تستهلك كميات مياه أقل.
كيف تُترجم هذه التوجيهات إلى واقع ملموس؟
لم تبقَ التوجيهات الرئاسية على مستوى الخطاب، بل ترجمتها الدولة إلى إجراءات عملية على أكثر من محور:
- المحور الدبلوماسي: تحركات مصرية نشطة في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن، لطرح القضية أمام المجتمع الدولي.
- المحور القانوني: التشديد على أن أي إجراء أحادي يُخالف القانون الدولي وأحكام إعلان المبادئ.
- المحور التنموي: الاستثمار في البنية التحتية المائية كبديل استراتيجي يقلّص الاعتماد على مياه النيل.
- محور الوعي الشعبي: حملات توعية لتغيير سلوك المواطن في استهلاك المياه.
لماذا يُعد هذا الملف حساساً إلى هذا الحد؟
تُعاني مصر من فقر مائي حقيقي، حيث يقل نصيب الفرد السنوي من المياه عن حدّ الفقر المائي العالمي البالغ 1000 متر مكعب سنوياً.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مساس بحصة مصر التاريخية في النيل يعني تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والاجتماعي، ما يجعل ملف سد النهضة أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل.
وفي هذا الإطار، يبقى الخطاب الرئاسي الحاسم بمثابة رسالة واضحة: مصر دولة كبيرة لا تتنازل عن حقوقها، لكنها في الوقت ذاته منفتحة على الحوار والتفاوض وفق قواعد القانون الدولي.

التعليقات