التخطي إلى المحتوى

تصريحات تعكس شفافية غير معتادة في ملف حساس

في حديث وُصف بأنه يعكس درجة عالية من الوضوح في التعامل مع أحد أكثر الملفات حساسية لدى المواطن المصري، كشف أحمد كجوك، وزير المالية، عن حجم الفجوة بين ما يُخصص فعلياً لقطاعي الصحة والتعليم في مصر، وما تستحقه هذه القطاعات من إنفاق إذا ما أردنا ترجمة الوعود إلى واقع ملموس.

وأوضح الوزير أن المنظومتين تتصدران أولويات المواطن، وأنهما تنتظران نقلة نوعية حقيقية في مستوى الخدمات، لا مجرد زيادات متدرجة على الورق.

المشكلة ليست في الإرادة السياسية بل في حجم الموارد

شدّد كجوك على أن الإنفاق الحالي على الصحة والتعليم لا يرقى إلى مستوى طموحات الدولة، ولا يغطي الاحتياجات الفعلية للمواطنين على أرض الواقع.

وأشار إلى أن ما ينبغي تخصيصه قانوناً ومجتمعياً لهذين الملفين يمثل أضعاف المبالغ التي تُضخ حالياً.

النقطة الجوهرية في تصريحاته أن العائق الرئيسي ليس غياب الرغبة أو ضعف التخطيط، بل في توفير الموارد المالية الكافية لسد الفجوة، وهي معادلة دقيقة تفرض موازنة بين ثلاث ضغوط متزامنة: تمويل الخدمات الأساسية، وخدمة الدين العام، والحفاظ على استقرار مؤشرات المالية العامة دون الانزلاق إلى مستويات تضخمية أو ضريبية مرهقة.

أرقام الموازنة: زيادة حقيقية.

لكن الفجوة ما زالت أكبر

.

تكشف الأرقام الرسمية أن الحكومة استهدفت زيادة مخصصات الصحة بنسبة 30% ومخصصات التعليم بنحو 20% في موازنة العام المالي المقبل، مقابل زيادة في إجمالي المصروفات تناهز 13.5%، وهو ما يعني نمواً بأعلى من متوسط نمو الإنفاق العام [ref:2,3].

  • الصحة: ارتفع الإنفاق في مشروع الموازنة إلى نحو 246 مليار جنيه مقابل نحو 200 مليار جنيه في العام السابق، مع توسيع مخصصات الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الخام وصيانة الأجهزة [ref:1,6].
  • التعليم: قفزت المخصصات إلى ما يقارب 442.3 مليار جنيه مقارنة بنحو 352.4 مليار جنيه، بينما تشير تقديرات أخرى إلى وصول نصيب قطاع التعليم إلى نحو 367 مليار جنيه في موازنة 2026/2027 [ref:8,10].

ورغم هذه الزيادات، يظل نصيب القطاعين من الناتج المحلي الإجمالي أدنى من التوصيات الدولية والمقارنات الإقليمية، وهو ما يفسر تأكيد الوزير على أن الزيادة خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها لا تكفي وحدها لإحداث النقلة النوعية المنشودة [ref:3].

الأجور والحماية الاجتماعية: هل يتعافى العاملون في الصحة والتعليم؟

تضمنت الموازنة الجديدة زيادات موجّهة للعاملين في القطاعين، إذ تم الإعلان عن زيادة بنحو 1200 جنيه للمعلمين و750 جنيهاً للعاملين في القطاع الصحي، في محاولة لتحسين جاذبية العمل في القطاعين والحد من تسرب الكفاءات، وهو ملف لا يقل أهمية عن الإنفاق على المعدات والبنية التحتية [ref:4].

وفي هذا السياق، برزت خطوة مرتبطة بالإصلاح المالي الأوسع، إذ أكد الوزير أن الحكومة حققت انضباطاً مالياً متزامناً مع زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وأن خفض العجز الكلي لم يتحقق على حساب تقليص الخدمات المقدمة للمواطنين [ref:11,15].

الملف الضريبي: إصلاح الخدمات دون تحميل الفقراء أعباءً جديدة

على الضفة الأخرى من المعادلة، تطرق كجوك إلى الجهود الجارية لإحداث تحول في الخدمات الضريبية، من خلال خطط تستهدف تيسير التعاملات ورفع كفاءة المنظومة، بحيث تتحقق عدالة ضريبية والتوسع في القاعدة الضريبية وتحسين التحصيل من دون فرض أعباء إضافية على محدودي الدخل.

ويرى خبراء أن نجاح هذا المسار يمثل مفتاحاً أساسياً لتمويل الإنفاق الاجتماعي، لأن توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي يمكن أن يوفر موارد مستدامة لتغطية العجز في تمويل الصحة والتعليم، بدلاً من الاعتماد المستمر على الاقتراض [ref:16].

إصلاح هيكلي أم حلول مؤقتة؟

يطرح حجم الفجوة سؤالاً محورياً: هل يكفي رفع المخصصات سنوياً لتحقيق تحول نوعي في جودة الخدمات؟ الخبرة المقارنة تشير إلى أن الإنفاق وحده لا يصنع فارقاً ما لم يقترن بمعالجة كفاءة التوزيع، وربط التمويل بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وتقليص التسرب في سلاسل الإنفاق.

وتشمل القضايا الملحّة: كثافة الفصول ونقص المعلمين المؤهلين، وفجوات التغطية الصحية في المحافظات الأقل نصيباً من الاستثمار، إلى جانب أزمة الأدوية وارتفاع أسعار المستلزمات الطبية بفعل تحركات سعر الصرف.

خلاصة: الخطاب الواضح اختبار للتنفيذ

تصريحات وزير المالية تحمل دلالة مهمة: تحويل المشكلة من سؤال «لماذا لا نستثمر في الصحة والتعليم؟» إلى سؤال «كيف نوفّر الموارد ونضمن أن يصل الإنفاق إلى مستحقيه؟».

وهذا التحول في صياغة القضية يمثل بحد ذاته تقدماً، لكن قياس أثره سيظل مرهوناً بمؤشرات ملموسة على الأرض — من جودة الخدمة في المستشفيات والمدارس، إلى مدى تحسن مستوى المعيشة لمن يعملون فيها.

الوسوم: وزير المالية أحمد كجوك، موازنة الصحة والتعليم في مصر، الإنفاق العام، الإصلاح الضريبي، الاقتصاد المصري.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *