فتوى دار الإفتاء المصرية: الشهادة أمانة وليست خياراً شخصياً
في فتوى حاسمة تلامس تفاصيل الحياة اليومية وتعيد الأمور إلى نصابها الشرعي، أكدت دار الإفتاء المصرية أن أداء الشهادة ليس مجرد خيار شخصي يملك الإنسان حرية التصرف فيه، بل هو واجب ديني وأخلاقي محتم على كل من يمتلك الحقيقة ودُعي للإدلاء بها أمام الجهات القضائية أو في الخصومات والنزاعات، مهما كانت الظروف أو العلاقات الشخصية التي قد تدفعه للتراجع.
حكم كتمان الشهادة في الشريعة الإسلامية
أوضح الشيخ أحمد العوضي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن التهرب من أداء الشهادة أو تعمد إخفائها يُعد من الذنوب الكبيرة والمخالفات الشرعية الصريحة التي نهى عنها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مستشهداً بقول الله تعالى: «ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه»، وهي الآية التي وصفت كاتم الشهادة بأن قلبه يحمل الإثم، في إشارة إلى أن الجُرم لا يقتصر على اللسان وحده بل يسبقه فساد في القلب.
وشدد أمين الفتوى على أن الشاهد الذي يتم استدعاؤه لإظهار الحق وإحقاق العدالة لا يحق له بأي حال من الأحوال أن يتكاسل أو يتوارى عن نصرة المظلوم، مؤكداً أن مسؤولية الشاهد لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى الجانب الديني والأخلاقي أمام الله سبحانه وتعالى في المقام الأول.
لا مبرر للكتمان.
حتى لو كان الطرف الآخر صديقاً أو قريباً.
وفي تفصيل مهم يلامس واقع كثير من الناس، شدد العوضي على أن الخوف من خسارة صديق أو الانصراف عن قريب ليس مبرراً شرعياً لكتمان الشهادة، فالعلاقات الشخصية والعاطفية لا تعلو على حق الله وحقوق العباد.
وأكد أن من يُستدعى للشهادة يجب أن يؤديها بأمانة وصدق ووضوح كامل، دون تحريف أو تهرب أو تأجيل، وأن قول الحق في موضعه من أفضل الأعمال التي تُقرّب العبد إلى ربه وتكون سبباً في تفريج كربات الناس.
دور الشهادة في إرساء العدالة واستقرار المجتمع
وأضاف أمين الفتوى أن الالتزام بأداء الشهادة يمثل ركيزة أساسية من ركائز استقرار المجتمع وحماية حقوق العباد، مشدداً على أن السكوت عن الحق يسهم بشكل مباشر في ضياع حقوق الأبرياء وانتشار الظلم واستشراء الباطل، وتمكين المعتدي من الاستمرار في عدوانه.
ولذلك شدد الشرع الحكيم على وجوب التواجد وأداء الشهادة بكل أمانة وصدق مهما كانت الظروف، لأن تفشي ثقافة «الشهود المتخلفين» يُضعف ثقة الناس في مؤسسات العدالة ويفتح الباب على مصراعيه للفوضى والانتقام.
الشهادة عند الطلب المقيَّد: متى تصبح واجبة بعينها؟
يُفرّق الفقهاء بين حالتين رئيسيتين في حكم أداء الشهادة.
ففي حال تحمّل الشهادة تكون في الأصل من باب فرض الكفاية؛ فإذا قام بها بعض الناس سقطت عن الباقين.
أما في حال أداء الشهادة — أي عندما يُستدعى الشخص تحديداً للشهادة أمام القاضي — فإنها تصبح فرض عين على هذا الشخص بعينه، ولا يجوز له التخلف عنها، ويصبح آثماً إن امتنع.
ويستثنى من ذلك حالات الضرر المتيقّن: فمن خشي على نفسه أو أهله أو ماله هلاكاً أو ضرراً محققاً لا يُحتمل بسبب شهادته، فقد يجوز له التأخير أو الكتمان وفق الكيفية التي تدرأ الضرر الأكبر عن الأصغر، لكن هذا الاستثناء لا يُقاس على أوهام الخسارة الاجتماعية أو الحرج مع الغير.
معايير أداء الشهادة الصحيحة
- الصدق التام: لا محل للشهادة المنقوصة أو المحرّفة، ولا لـ«شهادة الزور» التي تُعد من أكبر الكبائر.
- الوضوح: بيان الأمر على حقيقته دون تلبيس على القاضي أو الجهة المعنية.
- المبادرة: عدم التأخير بحجة الانشغال بالعمل أو الرغبة في التخلص من الحرج.
- الحياد: عدم الانحياز لصديق أو قريب إذا كان الحق في الخصم، فقد ورد أن من شهد لرجل بحق ضلّ عليه حقّ غيره فشهادته غير مشروعة.
- عدم الانتظار حتى الطلب: إذا كان في التخلف عن الشهادة ضياع لحقوق الآخرين، وجب أداؤها من تلقاء النفس ولو لم يُستدع الشخص.
خاتمة: الشهادة عبادة وأمانة
يُقرّر الفقه الإسلامي أن الشهادة ليست مجرد إجراء قانوني بارد، بل هي عبادة وأمانة اجتماعية تُحفظ بها دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.
وبناءً على ما تقدم، فإن التهاون في أدائها أو كتمانها أو التهرب منها بحجة العلاقات الشخصية أو الرغبة في الإرضاء يُعد خطراً على الفرد والمجتمع معاً، ويُستحق عليه الإثم العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون.

التعليقات